« وَأَوْفُوا الْكَيْلَ »
، ولم يقل « المكيال » ، فهو من باب حذف المضاف انتهى » . والظاهر عدم الاحتياج إلى ذلك .
وكأنه لم يعرف أن
« الْكَيْلَ »
يطلق على نفس « المكيال » ، حتى يقول : ولم يقل : « المكيال » . قوله :
لا نُكَلِّفُ
معترض بين هذه الأوامر . وقوله :
وَلَوْ كانَ
أي : ولو كان المقول له ، والمقول عليه ذا قرابة ، وقد تقدم نظير هذا التركيب مرارا « 1 » . وقوله :
وَبِعَهْدِ اللَّهِ
يجوز أن يكون من باب إضافة المصدر لفاعله ، أي : بما عاهدكم اللّه عليه ، وأن يكون مضافا لمفعوله ، أي : بما عاهدتم اللّه عليه ، كقوله :
صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ،
بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ
« 2 » ، وأن تكون الإضافة لمجرد البيان ، أضيف إلى اللّه من حيث أنّه الآمر بحفظه ، والمراد به العهد الواقع بين الاثنين . وختمت هذه بالتّذكرة ، لأن الأربعة قبلها خفية ، تحتاج إلى إعمال فكر ونظر ، حتى يقف متعاطيها على العدل ، فناسبها التذكير ، وهذا بخلاف الخمسة الأشياء ، فإنّها ظاهرة ، يجب تعقلها وتفهمها ، فلذلك ختمت بالعقل . و
« تَذَكَّرُونَ »
حيث وقع يقرؤه الأخوان ، وعاصم في رواية حفص بالتخفيف ، والباقون بالتشديد ، والأصل : تتذكرون ، فمن خفّف حذف إحدى التاءين ، وهل هي تاء المضارعة ، أو تاء الفعل ؟ خلاف مشهور ، ومن ثقل أدغم التاء في الذال .
قوله :
وَأَنَّ هذا .
قرأ الأخوان بكسر « إنّ » على الاستئناف . و
فَاتَّبِعُوهُ
جملة معطوفة على الجملة قبلها ، وهذه الجملة الاستئنافية تفيد التعليل لقوله :
« فَاتَّبِعُوهُ »
، ولذلك استشهد بها الزمخشري على ذلك ، كما تقدم . فعلى هذا يكون الكلام في « الفاء » في : « فاتّبعوه » كالكلام فيها في قراءة غيرهما ، وسيأتي . وقراءة ابن عامر : « وأنّ » بفتح الهمزة وتخفيف النون ، والباقون بالفتح أيضا والتشديد . فأما قراءة الجماعة ففيها أربعة أوجه :
أحدها - وهو الظاهر - : أنها في محل نصب نسقا على « ما حرّم » ، أي : أتل ما حرّم ، وأتل أن هذا صراطي ، والمراد بالمتكلم : النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأن صراطه صراط اللّه عزّ وجلّ ، وهذا قول الفراء ، قال : « بفتح » أنّ « مع وقوع « أتل » عليها » . - يعني : أتل عليكم أنّ هذا صراطي مستقيما .
والثاني : أنها منصوبة المحل أيضا نسقا على « ألّا تشركوا » ، إذا قلنا بأنّ « أن » مصدرية وإنها وما بعدها بدل من « ما حرّم » ، قاله الحوفي .
الثالث : أنها على إسقاط « لام » العلة ، أي : ولأنّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه ، كقوله تعالى :
وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا
« 3 » . قال أبو علي : « من فتح » أنّ فقياس قول سيبويه أنه حملها على : « فاتّبعوه » ، والتقدير :
ولأنّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه ، كقوله :
وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
« 4 » . قال سيبويه « 5 » : « ولأنّ هذه أمتكم » ، وقال في قوله تعالى : « وأنّ المساجد للّه » - : « ولأنّ لمساجد » . قال بعضهم وقد صرح بهذه اللام في نظير هذا التركيب ، كقوله تعالى :
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ ، فَلْيَعْبُدُوا
« 6 » . والفاء على هذا كهي في قولك : « زيدا فاضرب » و « يزيد فامرر » ، وقد تقدم تقريره في البقرة « 7 » . قال الفارسي : « قياس قول سيبويه في
هامش
( 1 ) عند آية ( 170 ) من سورة البقرة .
( 2 ) سورة الفتح ، آية ( 10 ) .
( 3 ) سورة الجن ، آية ( 18 ) .
( 4 ) سورة المؤمنون ، آية ( 52 ) .
( 5 ) انظر الكتاب ( 3 / 126 ) .
( 6 ) سورة قريش ، الآيات ( 1 ، 2 ، 3 ) .
( 7 ) آية ( 40 ) .