بل ذكر أنه يجوز أن يعود على الموصول ، وذكر التأويلين المتقدمين ، فقال : الضمير راجع على مصدر الفعل الداخل عليه حرف النهي ، بمعنى : وإنّ الأكل منه لفسق ، أو على الموصول على : إنّ أكله لفسق ، أو جعل ما لم يذكر اسم اللّه عليه نفسه فسقا .
قوله :
« لِيُجادِلُوكُمْ »
متعلّق ب « يوحون » ، أي : يوحون لأجل مجادلتكم . وأصل « يوحون » : يوحيون ، فأعلّ .
قوله :
وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ
قيل : إنّ لام التوطئة للقسم مقدرة ، فلذلك أجيب القسم المقدر بقوله :
« إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
، وحذف جواب الشرط لسد جواب القسم مسده ، وجاز الحذف ، لأن فعل الشرط ماض . وقال أبو البقاء : حذف الفاء من جواب الشرط ، هو حسن ، إذا كان الشرط بلفظ الماضي ، وهو ههنا كذلك ، وهو قوله :
« وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ »
. قلت : كأنه زعم أن جواب الشرط هو الجملة من قوله :
« إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ »
، والأصل :
« فإنّكم » بالفاء ، لأنها جملة اسمية ، ثم حذفت الفاء لكون فعل الشرط بلفظ المضي . وهذا ليس بشيء فإنّ القسم مقدر قبل الشرط ، ويدل على ذلك حذف اللام الموطئة قبل
« إِنَّ »
الشرطية وليس فعل الشرط ماضيا كقوله تعالى :
وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ
فههنا لا يمكنه أني قول : إنّ الفاء محذوفة ، لأن فعل الشرط مضارع ، وكأن أبا البقاء - واللّه أعلم - أخذ هذا من الحوفي ، فإنّي رأيت فيه كما ذكره أبو البقاء ، ورده عليه الشيخ « 1 » بنحو مما تقدم .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 122 إلى 123 ]
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 122 ) وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 123 )
قوله :
أَ وَمَنْ كانَ .
قد تقدم أن هذه الهمزة يجوز أن تكون مقدمة على حرف العطف ، وهو رأي الجمهور ، وأن تكون على حالها ، وبينها وبين الواو فعل مضمر . و
« مَنْ »
في محل رفع بالابتداء ، و
« كَمَنْ »
خبره ، وهي موصولة . و
« يَمْشِي »
في نصب صفة ل
« نُوراً »
. و
« مَثَلُهُ »
مبتدأ ، و
« فِي الظُّلُماتِ »
خبره ، والجملة صلة
« مَنْ »
و
« مَنْ »
مجرورة بالكاف ، والكاف ومجرورها - كما تقدم - في محل رفع خبرا ل
« مَنْ »
الأولى . و
« لَيْسَ بِخارِجٍ »
في محل نصب على الحال من الموصول ، أي : مثل الذي استقر في الظلمات حال كونه مقيما فيها . وقال أبو البقاء :
« لَيْسَ »
في موضع الحال من الضمير في
« مِنْها »
، ولا يجوز أن يكون حالا من الهاء في
« مَثَلُهُ »
، للفصل بينه وبين الحال بالخبر . « وجعل مكي الجملة حالا من الضمير المستكن
« فِي الظُّلُماتِ »
. وقرأ طلحة بن مصرّف : « أفمن كان » بالفاء بدل الواو قوله :
كَذلِكَ زُيِّنَ »
نعت لمصدر مقدر ، فقدره بعضهم : زين للكافرين تزيينا كما أحيينا المؤمنين . وقدره آخرون : زين للكافرين تزيينا لكون الكافرين في ظلمات مقيمين فيها ، والفاعل المحذوف من
« زُيِّنَ »
المنوب عنه هو « اللّه » تعالى ، ويجوز أن يكون « الشيطان » ، وقد صرح بكل من الفاعلين مع لفظ
« زُيِّنَ »
،
هامش
( 1 ) انظر البحر ( 4 / 213 ) .