ومن تبعيضية ، والأولى لابتداء الغاية . وقال الحوفي : من الثانية بدل من من الأولى . « وهذا لا يعقل فهو وهم بين .
ويجوز أن تكون كم عبارة عن الزمان ، فتنصب على الظرف . قال أبو البقاء : « تقدير : كم أزمنة أهلكنا فيها ، وجعل أبو البقاء على هذا الوجه من قرن هو المفعول به ، ومن مزيدة فيه » . وجاز ذلك لأن الكلام غير موجب ، والمجرور نكرة .
إلا أن الشيخ « 1 » منع ذلك بأنه لا يقع إذا ذاك المفرد موقع الجمع لو قلت : كم أزمانا ضربت رجلا ، أو كم مرة ضربت رجلا ، لم يكن مدلول رجل رجالا ، لأن السؤال إنما وقع عن عدد الأزمنة ، أو المرات التي ضربت فيها ، وبأن هذا ليس موضع زيادة من لأنها لا تزاد في الاستفهام ألا وهو استفهام محض ، أو يكون بمعنى النفي . والاستفهام هنا ليس محضا ، ولا مرادا به النفي » . انتهى . والجواب عما قاله لا نسلم ذلك .
قوله :
مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ
في موضع جر صفة ل
« قَرْنٍ »
وعاد الضمير عليه جمعا باعتبار معناه ، قاله أبو البقاء ، والحوفي . وضعفه الشيخ « 2 » بأن من قرن تمييز ل
« كَمْ »
، ف
« كَمْ »
هي المحدث عنها بالإهلاك ، فتكون هي المحدث عنها بالتمكين ، لا ما بعدها ، إذ من قرن يجري مجرى التبيين ولم يحدث عنه » . وجوز الشيخ : أن تكون هذه الجملة استئنافا جوابا لسؤال مقدر . قال « 3 » : كأنه قيل : ما كان من حالهم ؟ فقيل : مكناهم ، وجعله هو الظاهر .
« وفيه نظر ، فإن النكرة مفتقرة للصفة ، فجعلها صفة أليق . والفرق بين قوله :
« مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ »
أنّ مكّنه في كذا : أثبته فيها . ومنه :
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ
« 4 » . وأمّا : مكّن له ، فمعناه : جعل له مكانا ومنه :
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ
« 5 » ،
أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ
« 6 » ، ومثله : أرّض له ، أي : جعل له أرضا ، هذا قول الزمخشري .
وأما الشيخ فإنّه يظهر من كلامه التسوية بينهم ، فإنه قال « 7 » : « وتعدى مكن هنا للذوات بنفسه وبحرف الجر ، والأكثر تعديته باللام :
مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ
« 8 » ،
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ
« 9 » ،
أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ
« 10 » . وقال أو عبيدة : مكّنّاهم ومكّنّا لهم لغتان فصيحتان ، نحو : نصحته ونصحت له » .
قلت : وبهذا قال أبو عليّ ، والجرجانيّ . قوله :
« ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ »
في ما هذه خمسة أوجه :
أحدها : أن تكون موصولة بمعنى الذي ، وهي حينئذ صفة لموصوف محذوف والتقدير : التمكين الذي لم نمكن لكم ، والعائد محذوف أي : الذي لم نمكنه لكم .
الثاني : أنها نكرة صفة لمصدر محذوف ، تقديره : تمكينا ما لم نمكنه لكم ، ذكرهما الحوفي .
ورد الشيخ « 11 » الأول بأن ما بمعنى الذي لا تكون صفة لمعرفة ، وإن كان الذي يقع لها لو قلت : ضربت الضرب
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 76 ) .
( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 76 ) .
( 3 ) انظر المصدر السابق .
( 4 ) سورة الأحقاف ، آية ( 26 ) .
( 5 ) سورة الكهف ، آية ( 84 ) .
( 6 ) سورة القصص ، آية ( 57 ) .
( 7 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 76 ) .
( 8 ) سورة يوسف ، آية ( 21 ) .
( 9 ) سورة الكهف ، آية ( 84 ) .
( 10 ) سورة القصص ، آية ( 57 ) .
( 11 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 76 ) .