على الوجه الثالث وجه رابع وهو النصب بإضمار « أعني » لأنّ كلّ ما جاز قطعه رفعا جاز قطعه نصبا .
والألف واللام في
« الْمَسِيحُ »
للغلبة كهي في الصّعق « 1 » والعيّوق « 2 » وفيه وجهان :
أحدهما : أنه فعيل بمعنى فاعل محوّل منه مبالغة ، فقيل : لأنه مسح الأرض بالسّياحة ، وقيل : لأنه يمسح ذا العاهة فيبرأ ، وقيل : بمعنى مفعول لأنه مسح بالبركة أو لأنه مسيح القدم ، قال :
1289 - بات يقاسيها غلام كالزلم * خدلّج السّاقين ممسوح القدم « 3 »
أو لمسح وجهه بالملاحة ، قال :
1290 - على وجه ميّ مسحة من ملاحة * . . . « 4 »
والثاني : أنّ وزنه مفعل من السياحة وعلى هذا كله فهو منقول من الصفة . وقال أبو عبيد : أصله بالعبرانية :
« مسيخا » فغيّر .
قال الشيخ « 5 » : « فعلى هذا يكون اسما مرتجلا ليس مشتقا من المسح ولا من السّياحة » قلت : قوله : « ليس مشتقا » صحيح ، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون مرتجلا ولا بدّ ، لاحتمال أن يكون في لغتهم منقولا من شيء عندهم .
وأتى بالضمير في قوله :
اسْمُهُ
مذكّرا وإن كان عائدا على الكلمة مراعاة للمعنى ، إذ المراد بها مذكر .
و
ابْنُ مَرْيَمَ
يجوز أن يكون صفة لعيسى ، قال ابن عطية : « و
عِيسَى
خبر مبتدإ محذوف ، ويدعو إلى هذا كون قوله
« ابْنُ مَرْيَمَ »
صفة لعيسى ، إذ قد أجمع الناس على كتبه دون ألف ، وأمّا على البدل أو عطف البيان يكون
« ابْنُ مَرْيَمَ »
صفة لعيسى » يعني بدل عيسى من المسيح ، فجعله غير صفة له مع وجود الدليل الذي ذكره وهو كتبه بغير ألف .
وقد منع أبو البقاء أن يكون
« ابْنُ مَرْيَمَ »
بدلا أو صفة لعيسى قال : « لأنّ مريم ليس باسم ، ألا ترى أنّك لا تقول :
« هذا الرجل ابن عمرو » إلا إذا كان قد علق عليه علما » قلت : وهذا التعليل الذي ذكره إنما ينهض في عدم كونه بدلا ، وأمّا كونه صفة فلا يمنع ذلك ، بل إذا كان اسما امتنع كونه صفة ، إذ يصير في حكم الأعلام ، والأعلام لا توصف به ، ألا ترى أنك إذا سمّيت رجلا بابن عمرو امتنع أن يقع « ابن عمرو » صفة والحالة هذه .
وقال الزمخشري : « فإن قلت : لم قيل « اسم المسيح عيسى ابن مريم ، وهذه ثلاثة أشياء : الاسم منها عيسى ، وأمّا المسيح والابن فلقب وصفة ؟ قلت : الاسم للمسمّى علامة يعرف بها ويتميّز من غيره ، فكأنه قيل : الذي يعرف ويتميّز ممّن سواه بمجموع هذه الثلاثة » انتهى فظهر من كلامه أنّ مجموع الألفاظ الثلاثة إخبار عن اسمه ، بمعنى أنّ كلا
هامش
( 1 ) الصعيق : اسم لكل من روي بصاعقة ثم عتب على خويلد بن نفيل الذي سب الريح فرمي بصاعقة .
اللسان : ( صعق ) .
( 2 ) العيوق : اسم نجم .
( 3 ) البيت لشريح بن شرحبيل ونسب للأغلب العجلي ونسب للأخنس بن شهاب انظر تفسير الطبري 9 / 473 .
( 4 ) صدر بيت في ملحق ديوان ذي الرمة وعجزه :. . . * وتحت الثياب الخزي إن كان بادياانظر الخزانة 1 / 52 ، أمالي الزجاجي ( 57 ) ، الأغاني 16 / 120 .
( 5 ) انظر البحر المحيط 2 / 460 .