الثاني : أن يكون
« ذلِكَ »
مبتدأ ، و
« مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ »
خبره ، والجملة من
« نُوحِيهِ »
مستأنفة ، والضمير في
« نُوحِيهِ »
عائد على الغيب ، أي : الأمر والشأن أنّا نوحي إليك الغيب ونعلمك به ونظهرك على قصص من تقدّمك مع عدم مدارستك لأهل العلم والأخبار ، ولذلك أتى بالمضارع في
« نُوحِيهِ »
، وهذا أحسن من عوده على
« ذلِكَ »
؛ لأنّ عوده على الغيب يشمل ما تقدّم من القصص وما لم يتقدّم منها ، ولو أعدته على
« ذلِكَ »
اختصّ بما مضى وتقدّم .
الثالث : أن يكون
« نُوحِيهِ »
هو الخبر ، و
« مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ »
على وجهيه المتقدّمين من كونه حالا من
« ذلِكَ »
أو متعلّقا بنوحيه ، ويجوز فيه وجه ثالث على هذا وهو أن يجعل حالا من مفعول
« نُوحِيهِ »
أي : نوحيه حال كونه بعض أنباء الغيب .
قوله :
إِذْ يُلْقُونَ
فيه وجهان :
أحدهما : وهو الظاهر أنه منصوب بالاستقرار العامل في الظرف الواقع خبرا .
والثاني - وإليه ذهب الفارسي - أنه منصوب بكنت ، وهو عجيب منه لأنه يزعم أنّها مسلوبة الدلالة على الحدث فكيف تعمل في الظرف والظرف وعاء للأحداث ؟ والذي يظهر أن الفارسي إنما جوّز ذلك بناء منه على ما يجوز أن يكون مرادا في الآية ، وهو أن تكون « كان » تامة بمعنى : وما وجد في ذلك الوقت .
والضمير في
« لَدَيْهِمْ »
عائد على المتنازعين في مريم وإن لم يجر لهم ذكر ، لأنّ السياق قد دلّ عليهم ، وهذا الكلام ونحوه كقوله تعالى :
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ
« 1 »
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ
« 2 » وإن كان معلوما انتفاؤه بالضرورة جار مجرى التهكم بمنكري الوحي ، يعني أنه إذا علم أنك لم تعاصر أولئك ولم تدارس أحدا في العلم فلم يبق اطلاعك عليه إلا من جهة الوحي .
والأقلام جمع « قلم » وهو فعل بمعنى مفعول أي : مقلوم ، والقلم القطع ، ومثله القبض والنقص بمعنى المقبوض والمنقوص ، وقيل له : قلم ؛ لأنه يقلم ، ومنه « قلّمت ظفري » أي : قطعته وسوّيته ، قال زهير :
1285 - لدى أسد شاكي السّلاح مقذّف * له لبد أظفاره لم تقلّم « 3 »
وقيل : سمّي القلم قلما تشبيها له بالقلامة وهي نبت ضعيف ؛ وذلك أنه يرقّق فيضعف . وفي المراد بالأقلام هنا خلاف : هل هي التي يكتب بها أو قداح يستهم بها كالأزلام ؟
قوله :
أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ
هذه الجملة منصوبة المحل ؛ لأنها متعلقة بفعل محذوف ، ذلك الفعل في محلّ نصب على الحال تقديره : يلقون أقلامهم ينظرون : أيّهم يكفل مريم أو يعلمون ، وجوّز الزمخشري أن يقدّر « يقولون » ، فيكون محكيا به ، ودلّ على ذلك قوله :
« يُلْقُونَ »
. وقوله :
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
كقوله :
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 45 ]
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 45 )
هامش
( 1 ) سورة القصص ، آية ( 46 ) .
( 2 ) سورة يوسف ، آية ( 102 ) .
( 3 ) انظر ديوانه ( 23 ) .