بمحذوف ، و
« وَجَدَ »
وهو الناصب لكلما ، لأنها ظرفية ، وقد تقدّم تحقيقه وأبو البقاء سمّاه جوابها ؛ لأنها عنده تشبه الشرط كما سيأتي .
قوله :
قالَ : يا مَرْيَمُ
فيه وجهان ، أحدهما : أنه مستأنف ، قال أبو البقاء : « ولا يجوز أن يكون بدلا من
« وَجَدَ »
لأنه ليس بمعناه » . والثاني : أنه معطوف بالفاء ، فحذف العاطف ، قال أبو البقاء : « كما حذفت في جواب الشرط كقوله :
وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
« 1 » ، وكذلك قول الشاعر :
1254 - من يفعل الحسنات اللّه يشكرها * . . . « 2 »
وهذا الموضع يشبه جواب الشرط ؛ لأنّ
« كُلَّما »
تشبه الشرط في اقتضائها الجواب » انتهى . قلت : وهذا الذي قاله فيه نظر من حيث إنه تخيّل أنّ قوله تعالى
« وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ »
أنّ جواب الشرط هو نفس
« إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ »
حذفت منه الفاء ، وليس كذلك ، بل جواب الشرط محذوف ، و
« إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ »
جواب قسم مقدر قبل الشرط ، وقد تقدّم تحقيق هذه المسألة ، فليس هذا ممّا حذفت منه فاء الجزاء البتّة ، وكيف يدّعي ذلك ويسوّيه بالبيت المذكور وهو لا يجوز إلا في ضرورة ، ثم الذي يظهر أنّ الجملة من قوله :
« وَجَدَ »
في محلّ نصب على الحال من فاعل
« دَخَلَ »
، ويكون جواب
« كُلَّما »
هو نفس
« قالَ »
والتقدير : كلما دخل عليها زكريا واجدا عندها الرزق قال ، وهذا بيّن جدا . ونكّر
« رِزْقاً »
له أو ليدلّ به على نوع ما منه .
قوله :
أَنَّى لَكِ هذا
أنّى خبر مقدم ، و
« هذا »
مبتدأ مؤخر ، ومعنى
« أَنَّى »
هنا : من أين ، كذا فسّرها أبو عبيدة ، وقيل : ويجوز أن يكون سؤالا عن الكيفية أي : كيف تهيّأ لك هذا ، قال الكميت :
1255 - أنّى ومن أين آبك الطّرب * من حيث لا صبوة ولا ريب « 3 »
وجوّز أبو البقاء في « أنّى أن ينتصب على الظرف بالاستقرار الذي في
« لَكِ »
، و
« لَكِ »
رافع ل
« هذا »
يعني بالفاعلية ولا حاجة إلى ذلك . وقد تقدّم الكلام على
« أَنَّى »
في البقرة « 4 » .
إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ
تقدّم نظيره ، ويحتمل أن يكون مستأنفا « من كلام اللّه تعالى ، وأن يكون من كلام مريم فيكون منصوبا » .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 38 ]
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ( 38 )
قوله تعالى :
هُنالِكَ دَعا :
« هنا » هو الاسم واللام للبعد والكاف حرف ، وهو وزان « ذلك » ، وهو منصوب على
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 121 ) .
( 2 ) تقدم .
( 3 ) البيت مطلع قصيدة له في الهاشميات ص 56 ، انظر الطبري 2 / 336 ، البحر المحيط 2 / 443 ، مجمع البيان 1 / 320 ، مقاييس اللغة 1 / 153 ، شرح الحماسة للمرزوقي 1 / 53 ، مشكل القرآن ( 330 ) .
آبك : جاءك وغشيك ، وهو فعل ماض من الأوب والطرب :
خفة من فرح أو حزن ، والمراد الأول ، والصبوة : الصبا والشوق ، والريب جمع ريبة وهي الشبهة والمعنى : كيف طربت مع كبر سنك من حيث لا يوجد الطرب ومواضعه ؟
الصبوة للفرح ، والريب للحزن .
( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 223 ) .