الرابع : أن يكون نعت مفعول محذوف تقديره : غلاما محررا ، قاله مكي بن أبي طالب . وجعل ابن عطية في هذا القول نظرا . قلت : وجه النظر فيه أن « نذر » قد أخذ مفعوله وهو قوله :
« ما فِي بَطْنِي »
فلم يتعدّ إلى مفعول آخر ؟ وهو نظر صحيح . وعلى القول بأنها حال يجوز أن تكون حالا مقارنة إن أريد بالتحرير معنى العتق ، ومقدّرة إن أريد به معنى خدمة الكنيسة كما جاء في التفسير .
وقف أبو عمرو والكسائي على « امرأة » بالهاء دون التاء ، وقد كتبوا وقياسها الهاء هنا وفي يوسف :
امْرَأَةُ الْعَزِيزِ
« 1 » في موضعين ، و
امْرَأَتَ نُوحٍ
« 2 » و
امْرَأَتَ لُوطٍ
« 3 » و
امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ
« 4 » ، وأهل المدينة يقفون بالتاء اتّباعا لرسم المصحف ، وهي لغة للعرب يقولون في حمزة : حمزت ، وأنشدوا :
1247 - اللّه نجّاك بكفّي مسلمت * من بعد ما وبعد ما وبعدمت « 5 »
وقوله :
ما فِي بَطْنِي »
أتى ب
« ما »
التي لغير العاقل لأن ما في بطنها مبهم أمره ، والمبهم أمره يجوز أن يعبّر عنه ب
« ما »
، ومثاله إذا رأيت شيخا من بعيد لا تدري أإنسان هو أم غيره : ما هذا ؟ ولو عرفت أنه إنسان وجهلت كونه ذكرا أم أنثى قلت : ما هو ؟ أيضا ، والآية من هذا القبيل هذا عند من يرى أن
« ما »
مخصوصة بغير العاقل ، وأمّا من يرى وقوعها على العقلاء فلا يتأوّل شيئا . وقيل : إنه لما كان ما في البطن لا تمييز له ولا عقل عبّر ب
« ما »
التي لغير العقلاء .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 36 ]
فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ( 36 )
قوله تعالى :
فَلَمَّا وَضَعَتْها :
الضمير في
« وَضَعَتْها »
يعود على « ما » من حيث المعنى ، لأن الذي في بطنها أنثى في علم اللّه تعالى ، فعاد الضمير على معناها ، دون لفظها . وقيل : إنما أنّثه حملا على معنى النّسمة أو الحبلة أو النفس ، قاله الزمخشري وقال ابن عطية : « حملا على الموجودة « ورفعا للفظ
« ما »
في قوله :
« ما فِي بَطْنِي »
محرّرا » .
قوله :
أُنْثى
فيه وجهان :
أحدهما : أنها منصوبة على الحال وهي حال مؤكدة لأن التأنيث مفهوم من تأنيث الضمير ، فجاءت
« أُنْثى »
مؤكدة ، قال الزمخشري « فإن قلت : كيف جاز انتصاب
« أُنْثى »
حالا من الضمير في
« وَضَعَتْها »
وهو كقولك : « وضعت الأنثى أنثى » ؟ قلت : الأصل وضعته أنثى ، وإنما أنّث لتأنيث الحال ، لأن الحال وذا الحال لشيء واحد كما أنّث الاسم في « من كانت أمّك » لتأنيث الخبر . ونظيره قوله تعالى :
فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ
« 6 » ، وأمّا على تأويل النّسمة والحبلة فهو ظاهر ، كأنه قيل : إني وضعت الحبلة والنّسمة أنثى » يعني أنّ الحال على الجواب الثاني تكون مبنيّة لا مؤكدة ، وذلك لأن النسمة والحبلة تصدق على الذّكر وعلى الأنثى ، فلمّا حصل فيها الاشتراك جاءت الحال مبينة لها .
هامش
( 1 ) سورة يوسف ، آية ( 30 ) .
( 2 ) سورة التحريم ، آية ( 10 ) .
( 3 ) سورة التحريم ، آية ( 10 ) .
( 4 ) سورة القصص ، آية ( 9 ) .
( 5 ) البيت لأبي النجم انظر الخصائص 1 / 304 ، سر الصناعة 1 / 177 ، مجالس ثعلب ( 270 ) ، رصف المباني 162 ، اللسان مادة ( للكميت ) .
( 6 ) سورة النساء ، آية ( 176 ) .