إلّا أنّ الشيخ « 1 » ناقشه في الجواب الأول فقال : « وآل قوله - يعني الزمخشري - إلى أنها حال مؤكّدة ، ولا يخرجه تأنيثه لتأنيث الحال عن أن تكون حالا مؤكّدة . وأمّا تشبيهه ذلك بقوله : « من كانت أمّك » حيث عاد الضمير على معنى « من » فليس ذلك نظير
« وَضَعْتُها أُنْثى »
لأن ذلك حمل على معنى « من » إذ المعنى : أية امرأة كانت أمّك ، أي : كانت هي أي أمّك ، فالتأنيث ليس لتأنيث الخبر ، وإنما هو من باب الحمل على معنى من ، ولو فرضنا أنه من تأنيث الاسم لتأنيث الخبر لم يكن نظير
« وَضَعْتُها أُنْثى »
لأنّ الخبر تخصّص بالإضافة إلى الضمير ، فاستفيد من الخبر ما لا يستفاد من الاسم ، بخلاف
« أُنْثى »
فإنه لمجرد التوكيد . وأمّا تنظيره بقوله : « فإن كانتا اثنتين » فيعني أنه ثنّى الاسم لتثنية الخبر ، والكلام عليه يأتي في مكانه ، فإنه من المشكلات ، فالأحسن أن يجعل الضمير في
« وَضَعْتُها أُنْثى »
عائدا على النّسمة أو النفس ، فتكون الحال مبنية لا مؤكدة » .
قلت : قوله « ليس نظيره ، لأنّ « من كانت أمّك » حمل فيه على معنى « من » ، وهذا أنّث لتأنيث الخبر » ليس كما قال ، بل هو نظيره ، وذلك أنه في الآية الكريمة حمل على معنى « ما » كما حمل هناك على معنى « من » ، وقول الزمخشري : « لتأنيث الخبر » أي : المراد ب « من » التأنيث بدليل تأنيث الخبر ، فتأنيث الخبر بيّن لنا أن المراد ب « من » المؤنث ، كذلك تأنيث الحال - وهي أنثى - بيّن لنا أن المراد ب
« ما »
في قوله :
« ما فِي بَطْنِي »
أنه شيء مؤنث ، وهذا واضح لا يحتاج إلى فكر . وأما قوله : « فقد استفيد من الخبر ما لا يستفاد من الاسم بخلاف
« وَضَعْتُها أُنْثى »
فإنه لمجرد التوكيد » فليس بظاهر أيضا ؛ وذلك لأنّ الزمخشري إنما أراد بكونه نظيره من حيث إنّ التأنيث في كلّ من المثالين مفهوم قبل مجيء الحال في الآية ، وقبل مجيء الخبر في النظير المذكور . أمّا كونه يفارقه في شيء آخر لعارض فلا يضرّ ذلك في التنظير ، ولا يخرجه عن كونه يشبهه من هذه الجهة .
وقد تحصّل لك في هذه الحال وجهان :
أحدهما : أنها مؤكدة إن قلنا إنّ الضمير في
« وَضَعَتْها »
عائد على معنى « ما » .
والثاني : أنها مبيّنة إن قلنا : إنّ الضمير عائد على معنى الحبلة أو النّسمة أو النفس ، لصدق كلّ من هذه الألفاظ الثلاثة على الذكر والأنثى .
الوجه الثاني من وجهي
« أُنْثى »
: أنها بدل من « ها » في
« وَضَعَتْها »
بدل كل من كل ، قاله أبو البقاء ، ويكون في هذا البدل بيان ما المراد بهذا الضمير ، وهذا من المواضع التي يفسّر فيها الضمير بما بعده لفظا ورتبة . فإن كان الضمير مرفوعا نحو :
وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
« 2 » على أحد الأوجه ، فالكلّ يجيزون فيه البدل . وإن كان غير مرفوع نحو : « ضربته زيدا » ، ومررت به زيد ، فاختلف فيه ، والصحيح جوازه كقول الشاعر :
1248 - على حالة لو أنّ في القوم حاتما * على جوده لضنّ بالماء حاتم « 3 »
بجرّ « حاتم » الأخير ، بدلا من الهاء في « وجوده » .
قوله :
بِما وَضَعَتْ
قرأ ابن عامر وأبو بكر : « وضعت » بتاء المتكلم ، وهو من كلام أم مريم عليهاالسّلام خاطبت
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 438 .
( 2 ) سورة الأنبياء ، آية ( 13 ) .
( 3 ) تقدم .