تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 620

مساهمون:

ص٦٢٠
يخالف معنى السؤال في قوله :
« لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ »
« وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها »
ألا ترى أنّ السؤال في الآية الأولى قد عدّي بالجار ، وهاهنا لم يعدّ بالجار ، لأن السؤال هاهنا طلب لعين الشيء نحو : « سألتك درهما » أي طلبته منك ، والسؤال في الآية الأولى سؤال عن حال الشيء وكيفيته ، وإنما عطف بقوله
« قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ »
على ما قبلها وليست بمثلها في التأويل ، لأنه إنما نهاهم عن تكليف ما لم يكلّفوا ، وهو مرفوع عنهم » قلت : ويجوز أن يعود على
« أَشْياءَ »
لفظا لا معنى كما قال النحويون في مسألة : « عندي درهم ونصفه » أي : ونصف درهم آخر ، ومنه :
1822 - وكلّ أناس قاربوا قيد فحلهم * ونحن خلعنا قيده فهو سارب « 1 »
قوله :
مِنْ قَبْلِكُمْ
متعلق بقوله :
« سَأَلَها »
. فإن قيل : هل يجوز أن يكون صفة لقوم ؟ قلت : منع من ذلك جماعة معتلّين بأنّ ظرف الزمان لا يقع خبرا ولا صفة ولا حالا عن الجثة ، وقد تقدّم لك نحو من هذا في أول البقرة عند قوله :
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
« 2 » فإنّ الصلة كالصفة ، و
« بِها »
متعلق ب
« كافِرِينَ »
، وإنما قدّم لأجل الفواصل . والنخعي قرأ : « سألها » بالأمالة من غير همز وهما لغتان ، ومنه يتساولان فإمالته ل « سأل » كإمالة حمزة « خاف » وقد تقدّم تحقيق ذلك في البقرة عند
فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ
« 3 » و
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ
« 4 » . تعالى :
مِنْ بَحِيرَةٍ :
« مِنْ »
زائدة لوجود الشرطين المعروفين و
« جَعَلَ »
يجوز أن يكون بمعنى « سمّى » ويتعدى لمفعولين ، أحدهما محذوف ، والتقدير : ما جعل - أي ما سمّى - اللّه حيوانا بحيرة . قاله أبو البقاء . وقال ابن عطية والزمخشري وأبو البقاء : « إنها تكون بمعنى شرع ووضع . أي : ما شرع اللّه ولا أمر » . وقال الواحدي - بعد كلام طويل - « فمعنى ما جعل اللّه من بحيرة : ما أوجبها ولا أمر بها » وقال ابن عطية : « وجعل في هذه الآية لا تكون بمعنى « خلق » لأنّ اللّه خلق هذه الأشياء كلها ، ولا بمعنى « صيّر » ، لأن التصيير لا بد له من مفعول ثان ، فمعناه : ما سنّ اللّه ولا شرع . ومنع الشيخ « 5 » هذه النقولات كلّها بأنّ
« جَعَلَ »
لم يعدّ اللغوين من معانيها شرع ، وخرّج الآية على التصيير ، ويكون المفعول الثاني محذوفا أي : ما صيّر اللّه بحيرة مشروعة . والبحيرة : فعيلة بمعنى مفعولة ، فدخول تاء التأنيث عليها لا ينقاس ، ولكن لمّا جرت مجرى الأسماء الجوامد أنّثت ، وهذا قد أوضحته في قوله
« النَّطِيحَةُ »
« 6 » . واشتقاقها من البحر ، والبحر : السّعة ، ومنه « بحر الماء » لسعته . واختلف أهل اللغة في البحيرة عند العرب ما هي ؟ اختلافا كثيرا ، فقال أبو عبيد : « هي الناقة التي تنتج خمسة أبطن في آخرها ذكر فتشقّ أذنها وتترك فلا تركب ولا تحلب ولا تطرد عن مرعى ولا ماء ، وإذا لقيها المعيي لم يركبها . وروي ذلك عن ابن عباس ، إلا أنه لم يذكر في آخرها ذكرا . وقال بعضهم : « إذا أنتجت الناقة خمسة أبطن نظر في الخامس : فإن كان ذكرا ذبحوه وأكلوه ، وإن كان أنثى شقّوا أذنها وتركوها ترعى وترد ولا تركب ولا تحلب فهذه هي البحيرة » ، وروي هذا عن قتادة . وقال بعضهم : « البحيرة : الأنثى التي تكون خامس بطن كما تقدّم بيانه ، إلا أنها لا يحلّ للنساء لحمها ولا لبنها ، فإن ماتت حلّت لهن » . وقال بعضهم : « البحيرة : بنت السائبة » وسيأتي تفسير السائبة ، فإذا ولدت السائبة أنثى شقوا أذنها وتركوها مع أمها ترعى وترد ولا تركب حتى للمعييّ ، وهذا قول مجاهد بن
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر تفسير الآية ( 22 ) . ( 3 ) انظر تفسير الآية ( 61 ) . ( 4 ) انظر تفسيرة الآية ( 211 ) . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 33 ) . ( 6 ) سورة المائدة ، الآية ( 3 ) .