ولا شك أن المعنى على هذا الترتيب ، إلا أنه لا يقال في ذلك تقديم وتأخير ، فإنّ الواو لا تقتضي ترتيبا فلا فرق ، ولكن إنما قدّم هذا أولا على قوله :
« وَإِنْ تَسْئَلُوا »
لفائدة وهي الزجر عن السؤال فإنه قدّم لهم أنّ سؤالهم عن أشياء متى ظهرت أساءتهم قبل أن يخبرهم بأنهم إن سألوا عنها بدت لهم لينزجروا ، وهو معنى لائق .
قوله :
عَفَا اللَّهُ عَنْها
فيه وجهان : « 1 »
أحدهما : أنه في محلّ جر لأنه صفة أخرى ل
« أَشْياءَ »
، والضمير على هذا في
« عَنْها »
يعود على
« أَشْياءَ »
، ولا حاجة إلى ادّعاء التقديم والتأخير في هذا كما قاله بعضهم ، قال : « تقديره : لا تسألوا عن أشياء عفا اللّه عنها إن تبد لكم إلى آخر الآية ، لأنّ كلا من الجملتين الشرطيتين وهذه الجملة صفة ل
« أَشْياءَ »
، فمن أين أنّ هذه الجملة مستحقة للتقديم على ما قبلها ؟ وكأنّ هذا القائل إنّما قدّرها متقدمة ليتضح أنها صفة لا مستأنفة .
والثاني : أنها لا محل لها لاستئنافها ، والضمير في
« عَنْها »
على هذا يعود على المسألة المدلول عليها ب
« لا تَسْئَلُوا »
، ويجوز أن تعود على
« أَشْياءَ »
، وإن كان في الوجه الأول يتعيّن هذا لضرورة الربط بين الصفة والموصوف .
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 102 إلى 104 ]
قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ( 102 ) ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 103 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 104 )
قوله تعالى :
قَدْ سَأَلَها :
الضمير في
« سَأَلَها »
ظاهره يعود على
« أَشْياءَ »
، لكن قال الزمخشري : « فإن قلت : كيف قال : لا تسألوا عن أشياء ، ثم قال :
« قَدْ سَأَلَها »
ولم يقل سأل عنها ؟ قلت : الضمير في سألها ليس يعود على أشياء حتى يتعدّى إليها ب
« عَنْ »
، وإنما يعود على المسألة المدلول عليها بقوله :
« لا تَسْئَلُوا »
أي : قد سأل المسألة قوم ، ثم أصبحوا بها - أي بمرجوعها - كافرين » . ونحا ابن عطية منحاه . قال الشيخ « 2 » : « ولا يتجه قولهما إلا على حذف مضاف ، وقد صرّح به بعض المفسرين ، أي : قد سأل أمثالها أي : أمثال هذه المسألة أو أمثال هذه السؤالات » . وقال الحوفي في
« سَأَلَها »
: « الظاهر عود الضمير على
« أَشْياءَ »
ولا يتجه حمله على ظاهره لا من جهة اللفظ العربي ولا من جهة المعنى ، أمّا من جهة اللفظ فلأنه كان ينبغي أن يعدّى ب
« عَنْ »
كما عدّي في الأول ، وأمّا من جهة المعنى فلأنّ المسؤول عنه مختلف قطعا ، فإنّ سؤالهم غير سؤال من قبلهم ، فإنّ سؤال هؤلاء مثل من سأل :
أين ناقتي وما في بطن ناقتي ، وأين أبي وأين مدخلي ؟ وسؤال أولئك غير هذا نحو :
أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً
« 3 »
أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً
« 4 »
اجْعَلْ لَنا إِلهاً
« 5 » ونحوه . وقال الواحدي : - ناقلا عن الجرجاني - « وهذا السؤال في هذه الآيات
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 28 ) .
( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 32 ) .
( 3 ) سورة المائدة ، الآية ( 114 ) .
( 4 ) سورة النساء ، الآية ( 153 ) .
( 5 ) سورة الأعراف ، الآية ( 138 ) .