بأنه يجوز أن يكون
« رِجْسٌ »
خبرا عن
« الْخَمْرُ »
، وحذف خبر المعطوفات لدلالة خبر الأول عليها » . قلت : وعلى هذا فيجوز أن يكون خبرا عن الآخر وحذف خبر ما قبله لدلالة خبر ما بعده عليه ؛ لأنّ لنا في نحو قوله تعالى :
وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ
« 1 » هذين التقديرين ، وقد تقدّم تحقيقهما غير مرة .
والأنصاب جمع « نصب » ، وقد تقدم ذلك أول السورة « 2 » . والأزلام تقدمت أيضا ، والرّجس قال الراغب :
« هو الشيء القذر ، رجل رجس ، ورجال أرجاس » ثم قال : « وقيل : رجس ورجز للصوت الشديد ، يقال : بعير رجّاس : شديد الهدير ، وغمام راجس ورجّاس : شديد الرعد » . وقال الزجاج : « هو اسم لكل ما استقذر من عمل قبيح ، يقال : رجس ورجس بكسر الجيم وفتحها يرجس رجسا إذا عمل عملا قبيحا ، وأصله من الرّجس بفتح الراء وهو شدة صوت الرعد ، قال :
1817 - . . . * وكلّ رجّاس يسوق الرّجسا « 3 »
وفرّق ابن دريد بين الرّجس والرّجز والرّكس ، فجعل الرّجس : الشر ، والرّجز : العذاب ، والرّكس : العذرة والنّتن ، ثم قال : « والرّجس يقال للإثنين » ، فتحصّل من هذا اسم للشيء القذر المنتن أو أنه في الأصل مصدر .
وقوله :
مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
في محلّ رفع لأنه صفة ل
« رِجْسٌ »
. والهاء في
« فَاجْتَنِبُوهُ »
تعود على الرجس أي : فاجتنبوّ الرجس الذي أخبر به عمّا تقدّم من الخمر وما بعدها . وقال أبو البقاء : « إنها تعود على الفعل » يعني الذي قدّره مضافا إلى الخمر وما بعدها ، وإلى ذلك نحا الزمخشري أيضا ، قال : « فإن قلت » إلام يرجع الضمير في قوله :
« فَاجْتَنِبُوهُ
؟ قلت : إلى المضاف المحذوف ، أو تعاطيهما أو ما أشبه ذلك ، ولذلك قال :
« رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ »
، وقد تقدّم أن الأحسن أن هذه الأشياء جعلت نفس الرجس مبالغة .
قوله تعالى :
فِي الْخَمْرِ :
فيه أربعة أوجه :
أحدها : أنه متعلق ب
« يُوقِعَ »
أي : يوقع بينكم هذين الشيئين في الخمر أي : بسبب شربها ، و
« فِي »
تفيد السببية كقوله عليه السّلام : « إنّ امرأة دخلت النار في هرّة » . « 4 »
الثاني : أنها متعلقة بالبغضاء لأنه مصدر معرف بأل .
الثالث : أنه متعلق ب
« الْعَداوَةَ »
. وقال أبو البقاء : « ويجوز أن تتعلّق « في » بالعداوة أو ب
« الْبَغْضاءَ »
أي : أن تتعادوا وأن تتباغضوا بسبب شرب الخمر » ، وعلى هذا ذكره تكون المسألة من باب التنازع وهو الوجه الرابع ، إلّا أن في ذلك إشكالا وهو أنّ من حق المتنازعين أن يصلح كلّ منهما للعمل ، وهذا العامل الأول وهو العداوة لو سلّط على المتنازع فيه لزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي وهو المعطوف ، وقد يقال : إنه في بعض صور التنازع يلتزم إعمال الثاني ، وذلك في فعلي التعجب إذا تنازعا معمولا فيه ، وقد تقدّم هذا مشبعا في البقرة .
قوله :
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
هذا الاستفهام فيه معنى الأمر أي : انتهوا ، ولذلك لمّا فهم عمر بن الخطاب
هامش
( 1 ) سورة التوبة ، الآية ( 62 ) .
( 2 ) انظر تفسير الآية ( 3 ) من سورة المائدة .
( 3 ) البيت للعجاج انظر معاني الزجاج ( 2 / 224 ) ، اللسان ( رجس ) .
( 4 ) تقدم .