الأمرية ، قال : « انتهينا يا رب انتهينا يا رب » ويدلّ عى ذلك أيضا عطف الأمر الصريح عليه في قوله
« وَأَطِيعُوا »
، كأنه قيل : انتهوا عن شرب الخمر وعن كذا وأطيعوا ، فمجيء هذه الجملة الاستفهامية المصدّرة باسم مخبر عن باسم فاعل دالّ على ثبوت النهي واستقراره أبلغ من صريح الأمر . قال الزمخشري : « فإن قلت : لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أولا ثم أفردهما آخرا ؟ قلت : لأنّ الخطاب مع المؤمنين ، وإنما نهاهم عمّا كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر وذكر الأنصاب والأزلام لتأكيد تحريم الخمر والميسر وإظهار أنّ ذلك جميعا من أعمال أهل الجاهلية وأهل الشرك » انتهى . ويظهر شيء آخر وهو أنه لم يفرد الخمر والميسر بالذكر آخرا ، بل ذكر معهما شيئا يلزم منه عدم الأنصاب والأزلام فكأنه ذكر الجميع آخرا ، بيانه أنه قال :
« فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ »
بعبادة الأنصاب أو بالذبح عليها للأصنام على حسب ما تقدم تفسيره أول السورة ، و
« عَنِ الصَّلاةِ »
باشتغالكم بالأزلام ، وقد تقدّم تفسيرها أيضا ، فذكر اللّه والصلاة منبّهان على الأنصاب والأزلام ، وهذا وجه حسن .
قوله تعالى :
إِذا مَا اتَّقَوْا :
ظرف منصوب بما يفهم من الجملة السابقة وهي :
« لَيْسَ »
وما في حيّزها ، والتقدير : لا يأثمون ولا يؤاخذون وقت اتّقائهم ، ويجوز أن يكون ظرفا محضا ، وأن يكون فيه معنى الشرط ، وجوابه محذوف أو متقدّم على ما مرّ .
قوله تعالى :
لَيَبْلُوَنَّكُمُ :
جواب قسم محذوف أي : واللّه ليبلونكم ، وقد تقدّم أنه تجب اللام وإحدى النونين في مثل هذا الجواب : قوله :
« بِشَيْءٍ »
متعلّق ب
« لَيَبْلُوَنَّكُمُ »
أي : ليختبرنّكم بشيء . وقوله :
« مِنَ الصَّيْدِ »
: في محلّ جرّ صفة ل « شيء » فيتعلّق بمحذوف ، و
« مِنَ »
الظاهر أنها تبعيضية لأنه لم يحرّم صيد الحلال ولا صيد الحلّ ولا صيد البحر . وقيل : إنها لبيان الجنس . وقال مكي : « وقيل « من » لبيان الجنس ، فلما قال
« بِشَيْءٍ »
لم يعلم من أيّ جنس هو فبيّن فقال :
« مِنَ الصَّيْدِ »
كما تقول : « لأعطينّك شيئا من الذهب » ، وبهذا الوجه بدأ أبو البقاء ثم قال : « وقيل : إنها للتبعيض » . وكونها للبيان فيه نظر ، لأنّ الصحيح أنها لا تكون للبيان ، والقائل بأنها للبيان يشترط أن يكون المبيّن بها معرفا بأل الجنسية كقوله :
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ
« 1 » ، وبه ابن عطية أيضا ، والزجاج هو الأصل في ذلك فإنه قال : « وهذا كما تقول : « لأمتحننّك بشيء من الرّزق » ، وكما قال تعالى :
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ .
قوله :
تَنالُهُ
في محلّ جر لأنه صفة ثانية ل « شيء » ، وأجاز أبو البقاء أن يكون حالا : إمّا من الصيد ، وإمّا من « شيء » وإن كان نكرة لأنه قد وصف فتخصّص ، واستبعد الشيخ « 2 » جعله حالا من الصيد ، ووجه الاستبعاد أنه ليس المقصود بالحديث عنه . وقرأ الجمهور :
« تَنالُهُ »
بالمنقوطة فوق لتأنيث الجمع ، وابن وثاب والنخعي بالمنقوطة من تحت لأنّ تأنيثه غير حقيقي . وقوله « 3 » :
« ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا »
للناس فيه قولان ، أحدهما : أنّ هذا من باب التوكيد ، ولا يضرّ حرف العطف في ذلك ، وهذا كقوله تعالى :
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
« 4 » ، حتى إنّ الشيخ جمال الدين بن مالك يجعل هذا من التوكيد اللفظي المبوب له في النحو . والثاني : أنه ليس للتأكيد بل للتأسيس ، إلا أنّه جعل التغاير حاصلا بتقدير المتعلقات ، فمنها أنّ التقدير : اتّقوا الشرك وآمنوا إيمانا كاملا ثم اتقوا وآمنوا أي : ثم ثبتوا على التقوى والإيمان المتقدمين ، واستمروا على هذه الحالة ثم اتقوا ثم تناهوا في التقوى وتوغلوا
هامش
( 1 ) سورة الحج ، الآية ( 30 ) .
( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 17 ) .
( 3 ) انظر تفسير الآية ( 33 ) من سورة المائدة .
( 4 ) سورة التكاثر ، الآيتان ( 3 ، 4 ) .