تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 581

مساهمون:

ص٥٨١
وقوله :
1796 - ولكن ديافيّ أبوه وأمّه * بحوران يعصرن السّليط أقاربه « 1 »
واستدلّ بعضهم بقوله عليه السّلام : « يتعاقبون فيكم ملائكة » « 2 » ، ويعبّر النحاة عن هذه اللغة بلغة « أكلوني البراغيث » ، ولكنّ الأفصح ألّا تلحق الفعل علامة ، وفرّق النحويون بين لحاقه علامة التأنيث وعلامة التثنية والجمع بأنّ علامة التأنيث ألزم ؛ لأن التأنيث في ذات الفاعل بخلاف التثنية والجمع فإنه غير لازم . الوجه الثاني : أنّ الواو ضمير عائد على المذكورين العائد عليهم واو
« حَسِبُوا »
، و
« كَثِيرٌ »
بدل من هذا الضمير ، كقولك : « إخوتك قاموا كبيرهم وصغيرهم » ونحوه . الوجه الثالث : أن الواو ضمير أيضا ، و
« كَثِيرٌ »
بدل منه ، والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الضمير في الوجه الأول مفسّر بما قبله وهم بنو إسرائيل ، وأمّا في هذا الوجه فهو مفسّر بما بعده ، وهذا أحد المواضع التي يفسّر فيها الضمير بما بعده ، وهو أن يبدل منه ما يفسّره ، وهي مسألة خلاف وقد تقدم تحريرها . الوجه الرابع : أن الضمير عائد على من تقدّم ، و
« كَثِيرٌ »
خبر مبتدأ محذوف ، وقدّره مكي تقديرين : أحدهما : قال : « تقديره العمي والصّمّ كثير منهم » . والثاني : العمى والصّمم كثير منهم ، ودلّ على ذلك قوله :
« ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا »
فعلى تقديره الأول : يكون
« كَثِيرٌ »
صادقا عليهم و
« مِنْهُمْ »
صفة ل
« كَثِيرٌ »
، وعلى التقدير الثاني يكون
« كَثِيرٌ »
صادقا على العمى والصّمم لا عليهم ، و
« مِنْهُمْ »
صفة له بمعنى أنه صادر منهم ، وهذا الثاني غير ظاهر . وقدّره الزمخشري فقال : « أولئك كثير منهم » . الوجه الخامس : أنّ
« كَثِيرٌ »
مبتدأ والجملة الفعلية قبله خبر ، ولا يقال : إنّ الفعل متى وقع خبرا وجب تأخيره لأنّ ذلك مشروط بكون الفاعل مستترا نحو : « زيد قام » لأنه لو قدّم فقيل : قام زيد لألبس بالفاعل ، فإن قيل : وهذا أيضا يلبس بالفاعل في لغة « أكلوني البراغيث » فالجواب أنها لغة ضعيفة لا نبالي بها . وضعّف أبو البقاء هذا الوجه بمعنى آخر فقال : « لأنّ الفعل قد وقع في موضعه فلا ينوى به غيره » وفيه نظر لأنّا لا نسلّم أنه وقع موقعه ، وإنما كان واقعا موقعه لو كان مجردا من علامة . ومثل هذه الآية أيضا قوله تعالى :
وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
« 3 » . والجمهور على
« عَمُوا وَصَمُّوا »
بفتح العين والصاد ، والأصل : عميوا وصمموا كشربوا ، فأعلّ الأول بالحذف ، والثاني بالإدغام . وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي بضم العين والصاد وتخفيف الميم من « عموا » . قال الزمخشري : « على تقدير عماهم اللّه وصمّهم أي : رماهم وضربهم بالعمى والصّمم ، كما يقال : « نزكته إذا ضربته بالنّيزك ، وركبته إذا ضربته بركبتك » ، ولم يعترض عليه الشيخ ، وكان قد قال قبل ذلك بعد أن حكى القراءة :
هامش
-. . .انظر ديوانه ( 196 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 132 ) ، الشذور ( 177 ) ، المغني ( 2 / 367 ) ، أوضح المسالك ( 1 / 220 ) ، الهمع ( 1 / 160 ) ، التصريح ( 1 / 277 ) ، الأشموني ( 2 / 47 ) ، شرح ابن عقيل ( 1 / 469 ) . ( 1 ) البيت للفرزدق انظر ديوانه . الهمع ( 1 / 160 ) ، ابن الشجري ( 1 / 133 ) ، الخصائص ( 2 / 194 ) ، ابن يعيش ( 7 / 7 ) ، الدرر اللوامع ( 1 / 142 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 2 / 33 ) ، مسلم ( 1 / 439 ) . ( 3 ) سورة الأنبياء ، الآية ( 3 ) .