التكذيب ، وأيضا فإنه لمّا جيء به مضارعا ناسب رؤوس الآي .
قوله تعالى :
أَلَّا تَكُونَ :
قرأ البصري والأخوان برفع النون ، والباقون بنصبها . فمن رفع ف « أن » عنده مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الأمر والشأن محذوف تقديره : أنه ، و « لا » نافية ، و
« تَكُونَ »
تامة ، و
« فِتْنَةٌ »
فاعلها ، والجملة خبر « أن » ، وهي مفسّرة لضمير الأمر والشأن ، وعلى هذا ف « حسب » هنا لليقين لا للشكّ ، ومن مجيئها لليقين قول الشاعر :
1788 - حسبت التّقى والجود خير تجارة * رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا « 1 »
أي : تيقّنت لأنه لا يليق الشكّ بذلك ، وإنما اضطررنا إلى جعلها في الآية الكريمة بمعنى اليقين لأنّ « أن » المخففة لا تقع إلا بعد يقين ، فأمّا قوله :
1789 - أرجو وآمل أن تدنو مودّتها * وما إخال لدينا منك تنويل « 2 »
فظاهره أنها مخففة لعدم إعمالها وقد وقعت بعد « أرجو » و « آمل » وليسا بيقين . والجواب من وجهين :
أحدهما : أنّ « أن » ناصبة ، وإنما أهملت حملا على « ما » المصدرية ، ويدلّ على ذلك أنها لو كانت مخففة لفصل بينها وبين الجملة الفعلية بما سنذكره ، ويكون هذا مثل قول اللّه تعالى :
لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ
« 3 » ، وكقوله :
1790 - يا صاحبيّ فدت نفسي نفوسكما * وحيثما كنتما لقّيتما رشدا « 4 »
أن تحملا حاجة لي خفّ محملها * تستوجبا نعمة عندي بها ويدا
أن تقرآن على أسماء ويحكما * منّي السّلام وألّا تشعرا أحدا
فقوله : « أن تقرآن » بدل من « حاجة » وقد أهمل « أن » ، ومثله قوله :
1791 - إنّي زعيم يا نوي * قة إن نجوت من الرّزاح « 5 »
ونجوت من وصب العدوّ * و [ من الغدوّ ] إلى الرّواح
أن تهبطين بلاد قو * م يرتعون من الطّلاح
وكيفما قدّر فيما ذكرته من الأبيات يلزم أحد شذوذين قد قيل باحتمال كل منهما : إمّا إهمال « أن » ، وإمّا وقوع المخففة بعد غير علم ، وعدم الفصل بينها وبين الجملة الفعلية .
والثاني من وجهي الجواب : أنّ رجاءه وأمله قويا حتى قربا من اليقين فأجراهما مجراه في ذلك . وأما قول الشاعر :
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) البيت لكعب بن زهير انظر ديوانه ( 59 ) ، الأشموني ( 2 / 29 ) ، الخزانة ( 4 / 7 ) ، التصريح ( 1 / 258 ) ، الدرر ( 1 / 31 ) .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 233 ) .
( 4 ) تقدم .
( 5 ) تقدم .