1792 - علموا أن يؤمّلون فجادوا * قبل أن يسألوا بأعظم سؤل « 1 »
فالظاهر أنها المخففة ، وشذّ عدم الفصل ، ويحتمل أن تكون الناصبة شذّ وقوعها بعد العلم وشذّ إهمالها ، ففي الأول شذوذ واحد وهو عدم الفصل ، وفي الثاني شذوذان : وقوع الناصبة بعد العلم ، وإهمالها حملا على « ما » أختها .
وجاء هنا على الواجب - عند بعضهم - أو الأحسن - عند آخرين - وهو الفصل بين « أن » الخفيفة وبين خبرها إذا كان جملة فعلية منصرفة غير دعاء ، والفاصل : إمّا نفي كهذه الآية ، وإمّا حرف تنفيس كقوله تعالى :
عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى
« 2 » ، ومثله « علمت أن سوف تقوم » ، وإمّا « قد » كقوله تعالى :
نَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا
« 3 » وإمّا « لو » - وهي غريبة - كقوله :
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا
« 4 »
أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ
« 5 » . وتحرّزت بالفعلية من الاسمية فإنها لا تحتاج إلى فاصل ، كقوله تعالى :
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
« 6 » وكقوله :
1793 - في فتية كسيوف الهند قد علموا * أن هالك كلّ من يخفى وينتعل « 7 »
وبالمتصرفة من غير المتصرفة فإنه لا تحتاج إلى فاصل ، كقوله تعالى :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
« 8 »
وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ
« 9 » ، وبغير دعاء من الواقعة دعاء كقوله تعالى :
أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ
« 10 » في قراءة نافع .
ومن نصب « تكون » ف « أن » عنده هي الناصبة للمضارع دخلت على فعل منفي ب « لا » ، و « لا » لا يمنع أن يعمل ما بعدها فيما قبلها من ناصب ولا جازم ولا جار ، فالناصب كهذه الآية ، والجازم كقوله تعالى :
إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ
« 11 »
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ
« 12 » ، والجارّ نحو : « جئت بلا زاد » .
و « حسب » هنا على بابها من الظن ، فالناصبة لا تقع بعد علم ، كما أنّ المخففة لا تقع بعد غيره ، وقد شذّ وقوع الناصبة بعد يقين وهو نصّ فيه كقوله :
1794 - نرضى عن النّاس إنّ الناس قد علموا * أن لا يدانينا من خلفه بشر « 13 »
وليس لقائل أن يقول : العلم هنا بمعنى الظن ، إذ لا ضرورة تدعو إليه ، والأكثر بعد أفعال الشكّ النصب
هامش
( 1 ) انظر البيت في الهمع ( 1 / 143 ) ، الأشموني ( 1 / 292 ) ، أوضح المسالك ( 1 / 267 ) ، الدرر اللوامع ( 1 / 120 ) .
( 2 ) سورة المزمل ، الآية ( 20 )
( 3 ) سورة المائدة ، الآية ( 116 ) .
( 4 ) سورة الجن ، الآية ( 16 ) .
( 5 ) سورة سبأ ، الآية ( 14 ) .
( 6 ) سورة يونس ، الآية ( 10 ) .
( 7 ) البيت للأعشى ميمون انظر ديوانه ( 109 ) ، الكتاب ( 2 / 137 ) ، الخصائص ( 2 / 441 ) ، الهمع ( 1 / 142 ) ، شرح القصائد العشر ( 494 ) ، الإنصاف ( 1 / 199 ) ، الدرر ( 1 / 119 ) ، الخزانة ( 5 / 446 ) ، رصف المباني ( 115 ) ، شرح الرضى ( 2 / 359 ) ، أوضح المسالك ( 1 / 171 ) .
والشاعر يذكر نداماه ، ويشبههم بسيوف الهند في مضائها وشهرتها ، وأنهم يبادرون اللذات قبل أن يحين الأجل الذي يدرك كل الناس .
والشاهد فيه إضمار اسم « أن المخففة » والتقدير : أنه هالك .
( 8 ) سورة النجم ، الآية ( 39 ) .
( 9 ) سورة الأعراف ، الآية ( 185 ) .
( 10 ) سورة النور ، الآية ( 9 ) .
( 11 ) سورة الأنفال ، الآية ( 73 ) .
( 12 ) سورة التوبة ، الآية ( 40 ) .
( 13 ) تقدم .