والحافظ أيضا ، قال :
1742 - مليك على عرش السّماء مهيمن * لعزّته تعنو الوجوه وتسجد « 1 »
وهو الشاهد أيضا . واختلفوا فيه : هل هو أصل بنفسه أي : إنه ليس مبدلا من شيء ، يقال : هيمن يهيمن فهو مهيمن ، كبيطر يبيطر فهو مبيطر ، قال أبو عبيدة : « لم يجئ في كلام العرب على هذا البناء إلا أربعة ألفاظ : « مبيطر ومسيطر ومهيمن ومحيمر » ، وزاد أبو القاسم الزجاجي « 2 » في شرحه لخطبة « أدب الكاتب » لفظا خامسا وهو :
« مبيقر ، اسم فاعل من بيقر يبيقر أي خرج من أفق إلى أفق ، أو لعب البقّيرى وهي لعبة معروفة للصبيان ، وقيل : إنّ هاءه مبدلة من همزة وأنه اسم فاعل من آمن غيره من الخوف ، والأصل : « مأأمن » بهمزتين أبدلت الثانية ياء كراهية اجتماع همزتين ، ثم أبدلت الأولى هاء ك هراق وهراح وهبرت الثوب في : أراق وأراح وأبرت الثوب ، وهذا ضعيف أو فيه تكلف لا حاجة إليه ، مع أنّ له أبنية يمكن إلحاقه بها كمبيطر وإخوانه ، وأيضا فإن همزة « مأأمن » اسم فاعل من « آمن » قاعدتها الحذف فلا يدّعى فيها أثبتت ثم أبدلت هاء ، هذا ما لا نظير له . وقد سقط ابن قتيبة سقطة فاحشة حيث زعم أن
« مُهَيْمِناً »
مصغر ، وأن أصله « مؤيمن » تصغير « مؤمن » اسم فاعل ، ثم قلبت همزته هاء كهراق ، ويعزى ذلك لأبي العباس المبرد أيضا . إلّا أنّ الزجاج قال : « وهذا حسن على طريق العربية ، وهو موافق لما جاء في التفسير من أنّ معنى مهيمن : مؤمن » وهذا الذي قاله الزجاج [ واستحسنه أنكره الناس عليه وعلى المبرد ومن تبعهما ] ، ولما بلغ أبا العباس ثعلبا هذا القول أنكره أشدّ إنكار وأنحى على ابن قتيبة وكتب إليه : أن اتق اللّه فإن هذا كفر أو ما أشبهه ، لأن أسماء اللّه تعالى لا تصغّر وكذلك كل اسم معظّم شرعا . وقال ابن عطية : « إن النقاش حكى أنّ ذلك لمّا بلغ ثعلبا فقال : إنّ ما قال ابن قتيبة رديء باطل ، والوثوب على القرآن شديد ، وهو ما سمع الحديث من قوي ولا ضعيف ، وإنما جمع الكتب من هوس غلبه » . وقال أبو البقاء : « وأصل مهيمن : مؤيمن لأنه مشتق من الأمانة لأن المهيمن الشاهد ، وليس في الكلام « هيمن » حتى تكون الهاء أصلا » ، وهذا الذي قاله ليس بشيء لما تقدم من حكاية أهل اللغة هيمن وغاية ما في الباب أنهم لم يستعملوه إلا مزيدا فيه الياء كبيطر وبابه .
وقرأ ابن محيصن ومجاهد : « ومهيمنا » بفتح الميم الثانية على أنه اسم مفعول بمعنى أنه حوفظ عليه من التبديل والتغيير ، والفاعل هو اللّه تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
« 3 » أو الحافظ له في كل بلد ، حتى إنه إذا غيّرت منه الحركة تنبّه لها الناس وردّوا على قارئها بالصواب ، والضمير في
« عَلَيْهِ »
على هذه القراءة عائد على الكتاب الأول ، وعلى القراءة المشهورة عائد على الكتاب الثاني . وروى ابن « 4 » أبي نجيح عن مجاهد قراءته بالفتح وقال :
« معناه : محمد مؤتمن على القرآن » . قال الطبري : « فعلى هذا يكون
« مُهَيْمِناً »
حالا من الكاف في
« إِلَيْكَ »
، وطعن على هذا القول لوجود الواو في
« وَمُهَيْمِناً »
لأنها عطف على
« مُصَدِّقاً »
و
« مُصَدِّقاً »
حال من الكتاب لا حال من الكاف ؛ إذ لو كان حالا منها لكان التركيب : « لما بين يديك » بالكاف .
قال الشيخ « 5 » : « وتأويله على أنه من الالتفات من الخطاب إلى الغيبة بعيد عن نظم القرآن ، وتقدير :
هامش
( 1 ) انظر البيت في البحر ( 3 / 501 ) .
( 2 ) عبد الرحمن بن إسحاق أبو القاسم الزجاجي صاحب الجمل منسوب إلى شيخه إبراهيم الزجاج توفي بطبرية في رجب سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة انظر بغية الوعاة ( 2 / 77 ) .
( 3 ) سورة الحجر ، الآية ( 9 ) .
( 4 ) عبد اللّه بن يسار المكي ، الأعرج ، مقبول . انظر التقريب ( 1 / 462 ) .
( 5 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 502 ) .