تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
وتقدّم أيضا أن التضعيف فيه ليس للتعدية لعلة ذكرت هناك . وإيضاحها أنّ « قفا » متعد لواحد قبل التضعيف ، قال تعالى :
« وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ »
« 1 » ف
« ما »
موصولة بمعنى الذي هي مفعول ، وتقول العرب : « قفا فلان أثر فلان » أي : تبعه ، فلو كان التضعيف للتعدّي لتعدّى إلى اثنين ، فكان التركيب يكون : « ثم قفّيناهم عيسى ابن مريم » ف « هم » مفعول ثان و « عيسى » أول ، ولكنه ضمّن كما تقدم ، فلذلك تعدّى بالباء و « على » . قال الزمخشري : « قفّيته » مثل : عفّيته إذا أتبعته ، ثم يقال : « قفّيته بفلان » مثل : عقّبته به ، فتعدّيه إلى الثاني بزيادة الباء . فإن قلت : أين المفعول الأول ؟ قلت : هو محذوف ، والظرف الذي هو
« عَلى آثارِهِمْ »
كالسادّ مسدّه ، لأنه إذا قفّى به على أثره فقد قفّى به إياه » فكلامه هنا ينحو إلى أنّ « قفّيته » مضعفا كقفوته ثلاثيا ثم عدّاه بالباء ، وهذا وإن كان صحيحا من حيث إنّ فعّل قد جاء بمعنى فعل المجرد كقدّر وقدر ، إلا أنّ بعضهم زعم أن تعدية المتعدي لواحد لا يتعدّى إلى ثان بالباء ، لا تقول في « طعم زيد اللحم » : « أطعمت زيدا باللحم » ولكنّ الصواب أنه قليل غير ممتنع ، جاءت منه ألفاظ قالوا : « صكّ الحجر الحجر » ثم يقولون : صككت الحجر بالحجر ، و « دفع زيد عمرا » ثم : دفعت زيدا بعمرو ، أي : جعلته دافعا له ، فكلامه : إما ممتنع أو محمول على القليل ، وقد أشرت إلى منع ادّعاء حذف المفعول من نحو :
« قَفَّيْنا »
في البقرة « 2 » فليطلب ثمّة . وناقشه الشيخ « 3 » في قوله : « فقد قفّى به إياه » من حيث إنه أتى بالضمير المنفصل مع قدرته على المتصل ، فيقول : « قفّيته به » قال : « ولو قلت : زيد ضربت بسوط إياه » لم يجز إلا في ضرورة شعر ، بل ضربته بسوط » ، وهذا ليس بشيء ، لأن ذلك من باب قوله :
يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ
« 4 »
وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ
« 5 » وقد تقدّم تحقيقه . والضمير في
« آثارِهِمْ »
: إمّا للنبيين لقوله : « يحكم بها النبيون » ، وإمّا لمن كتبت عليهم تلك الأحكام ، والأول أظهر لقوله في موضع آخر :
بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
« 6 » . و
« مُصَدِّقاً »
حال من « عيسى » ، قال ابن عطية : « وهي حال مؤكدة » وكذلك قال في
« مُصَدِّقاً »
الثانية ، وهو ظاهر فإنّ من لازم الرّسول والإنجيل الذي هو كتاب إلهي أن يكونا مصدّقين . و
« لِما »
متعلق به ، وقوله :
« مِنَ التَّوْراةِ »
حال : إمّا من الموصول وهو « ما » المجرورة باللام ، وإمّا من الضمير المستكنّ في الظرف لوقوعه صلة ، ويجوز أن تكون لبيان جنس الموصول . قوله :
وَآتَيْناهُ
يجوز فيها وجهان : أحدهما : أن تكون عطفا على قوله :
« وَقَفَّيْنا »
فلا يكون لها محلّ ، كما أن المعطوف عليه لا محلّ له ، ويجوز أن تكون في محلّ نصب على الحال عطفا على
« مُصَدِّقاً »
الأول إذا جعل
« مُصَدِّقاً »
الثاني حالا من « عيسى » أيضا سيأتي ، ويجوز أن تكون الجملة حالا وإن لم يكن
« مُصَدِّقاً »
الثاني حالا من « عيسى » . وقوله :
« فِيهِ هُدىً »
يجوز أن يكون
« فِيهِ »
وحده حالا من
« الْإِنْجِيلَ »
، و
« هُدىً »
فاعل به ، لأنه لمّا اعتمد على ذي الحال رفع الفاعل ، ويجوز أن يكون
« فِيهِ »
خبرا مقدما ، و
« هُدىً »
مبتدأ مؤخر والجملة حال ، و
« مُصَدِّقاً »
حال عطفا على محل
« فِيهِ »
بالاعتبارين : أعني اعتبار أن يكون
« فِيهِ »
وحده هو الحال فعطفت هذه الحال عليه ، وأن يكون
« فِيهِ هُدىً »
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ، الآية ( 36 ) . ( 2 ) انظر تفسير الآية ( 87 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 498 ) . ( 4 ) سورة الممتحنة ، الآية ( 1 ) . ( 5 ) سورة النساء ، الآية ( 131 ) . ( 6 ) سورة الحديد ، الآية ( 27 ) .
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 534 | أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي ) / علي محمد معوض / عادل أحمد عبد الموجود / جاد مخلوف جاد / زكريا عبد المجيد النوتي / أحمد محمد صيرة