تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥
جملة اسمية محلّها النصب ، و
« مُصَدِّقاً »
عطف على محلها ، وإلى هذا ذهب ابن عطية ، إلا أنّ هذا مرجوح من وجهين : أحدهما : أنّ أصل الحال أن تكون مفردة والجارّ أقرب إلى المفرد من الجمل . الثاني : أنّ الجملة الاسمية الواقعة حالا الأكثر أن تأتي فيها بالواو وإن كان فيها ضمير ، حتى زعم الفراء - وتبعه الزمخشري - أنّ ذلك لا يجوز إلا شاذا ، وكون
« مُصَدِّقاً »
هذا حالا من
« الْإِنْجِيلَ »
هو الظاهر ، وأجاز مكي بن أبي طالب - وتبعه أبو البقاء - أن يكون
« مُصَدِّقاً »
، الثاني حالا أيضا من « عيسى » كرّر توكيدا . قال ابن عطية : « وهذا فيه قلق من جهة اتّساق المعاني » قلت : إذا جعلنا
« وَآتَيْناهُ »
حالا منه ، وعطفنا عليها هذه الحال الأخرى فلا أدري وجه القلق من الحيثية المذكورة ؟ . وقوله :
وَهُدىً
الجمهور على النصب وهو على الحال : إمّا من الإنجيل ، عطفت هذه الحال على ما قبلها ، وإمّا من « عيسى » أي : ذا هدى وموعظة أو هاديا ، أو جعل نفس الهدى مبالغة . وأجاز الزمخشري أن ينتصبا على المفعول من أجله ، وجعل العامل فيه قوله تعالى :
« آتَيْناهُ »
قال : « وأن ينتصبا مفعولا لهما لقوله :
« وَلْيَحْكُمْ »
، كأنه قيل : وللهدى وللموعظة آتيناه الإنجيل وللحكم . وجوّز أبو البقاء وغيره أن يكون العامل فيه :
« قَفَّيْنا »
أي : قفينا للهدى والموعظة ، وينبغي إذا جعلا مفعولا من أجله أن يقدّر إسنادهما إلى اللّه تعالى لا إلى الإنجيل ليصحّ النصب ، فإنّ شرطه اتحاد المفعول له مع عامله فاعلا وزمانا ، ولذلك لمّا اختلف الفاعل في قوله :
« وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ »
عدّي إليه باللام ، ولأنه خالفه أيضا في الزمان ، فإنّ زمن الحكم مستقبل وزمن الأنبياء ماض ، بخلاف الهداية والموعظة فإنهما مقارنان في الزمان للإيتاء . و
« لِلْمُتَّقِينَ »
يجوز أن يكون صفة ل
« مَوْعِظَةً »
، ويجوز أن تكون اللام زائدة مقوية ، و « المتقين » مفعول ب
« مَوْعِظَةً »
، ولم تمنع تاء التأنيث من عمله لأنه مبنيّ عليها كقوله :
1740 - . . . ورهبة * عقابك . . . « 1 »
وقد تقدّم الكلام على
« الْإِنْجِيلَ »
« 2 » واشتقاقه وقراءة الحسن فيه بما أغنى عن إعادته . وقرأ الضحاك بن مزاحم :
« وَهُدىً وَمَوْعِظَةً »
بالرفع ، ووجهها أنها خبر ابتداء مضمر أي : وهو هدى وموعظة . قوله تعالى :
وَلْيَحْكُمْ :
قرأ الجمهور بسكون اللام وجزم الفعل بعدها على أنها لام الأمر سكّنت تشبيها ب « كتف » وإن كان أصلها الكسر ، وقد قرأ بعضهم بهذا الأصل . وقرأ حمزة - رحمه اللّه - بكسرها ونصب الفعل بعدها ، جعلها لام كي ، فنصب الفعل بعدها بإضمار « أن » على ما تقرر غير مرة ، فعلى قراءة الجمهور والشاذ تكون مستأنفة ، وعلى قراءة حمزة يجوز أن تتعلق اللام ب « آتينا » أو ب
« قَفَّيْنا »
إن جعلنا
« هُدىً وَمَوْعِظَةً »
مفعولا لهما أي : قفّينا للهدى والموعظة وللحكم ، أو آتيناه الهدى والموعظة والحكم ، وإن جعلناهما حالين معطوفين على
« مُصَدِّقاً »
تعلّق
« وَلْيَحْكُمْ »
في قراءته بمحذوف دلّ عليه اللفظ كأنه قيل : وللحكم آتيناه ذلك . قال الزمخشري : « فإن قلت : فإن نظّمت
« هُدىً وَمَوْعِظَةً »
في سلك
« مُصَدِّقاً »
فما تصنع بقوله :
« وَلْيَحْكُمْ »
؟ قلت : أصنع به ما صنعت ب
« هُدىً وَمَوْعِظَةً »
حيث جعلتهما مفعولا لهما فأقدّر : « وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل اللّه آتيناه إياه » . وقال
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية ( 3 ) .
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 535 | أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي ) / علي محمد معوض / عادل أحمد عبد الموجود / جاد مخلوف جاد / زكريا عبد المجيد النوتي / أحمد محمد صيرة