تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 539

مساهمون:

ص٥٣٩
والثاني : أنه يلزم منه الفصل بين
« جَعَلْنا »
وبين معمولها وهو
« شِرْعَةً »
قاله أبو البقاء ، وفيه نظر ، فإن العامل في
« لِكُلٍّ »
غير أجنبي ، ويدل على ذلك قوله :
أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ
« 1 » ففصل بين الجلالة وصفتها بالعامل في المفعول الأول ، وهذا نظيره . وقرأ إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب : « شرعة » بفتح الشين ، كأن المكسور للهيئة والمفتوح مصدر . والشرعة في الأصل : السّنّة ، ومنه :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ
« 2 » أي : سنّ والشارع : الطريق ، وهو من الشريعة التي هي في الأصل الطريق الموصل إلى الماء ، ومنه قوله :
1743 - وفي الشّرائع من جلّان مقتنص * بالي الثّياب خفيّ الصّوت منزرب « 3 »
والمنهاج : مشتق من الطريق النّهج وهو الواضح ، ومنه قوله :
1744 - من يك ذا شكّ فهذا فلج * ماء رواء وطريق نهج « 4 »
أي : واضح ، يقال : طريق منهج ونهج . وقال ابن عطية : « منهاج مثال مبالغة من نهج » يعني نحو قولهم : « إنه لمنحار بوائكها » وهو حسن ، وهل الشرعة والمنهاج بمعنى ، كقوله :
1748 - . . . * وهند أتى من دونها النّأي والبعد « 5 »
وكقوله :
1746 - . . . * وألفي قولها كذبا ومينا « 6 »
أو مختلفان ؟ فالشّرعة ابتداء الطريق ، والمنهاج الطريق المستمر ، قاله المبرد ، أو الشرعة الطريق واضحا كان أو غير واضح ، والمنهاج الطريق الواضح فقط ، فالأول أعمّ ، قاله ابن الأنباري ، أو الدين والدليل ؟ خلاف مشهور . قوله :
وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ
« لِيَبْلُوَكُمْ »
متعلق بمحذوف فقدّره أبو البقاء : « ولكن فرّقكم ليبلوكم » وقدّره غيره : « ولكن لم يشأ جعلكم أمة واحدة » وهذا أحسن لدلالة اللفظ والمعنى عليه . و
« جَمِيعاً »
حال من « كم » في
« مَرْجِعُكُمْ »
، والعامل في هذه الحال : إمّا المصدر المضاف إلى « كم » ، فإنّ « كم » يحتمل أن يكون فاعلا ، والمصدر ينحلّ لحرف مصدري وفعل مبني للفاعل ، والأصل : « ترجعون جميعا » ، ويحتمل أن يكون مفعولا لم يسمّ فاعله على أن المصدر ينحلّ لفعل مبني للمفعول أي : يرجعكم اللّه ، وقد صرّح بالمعنيين في مواضع ، وإمّا أن يعمل فيها الاستقرار المقدر في الجار وهو « إليه » ، و « إليه مرجعكم » يحتمل أن يكون من باب الجمل الفعلية أو الجمل الاسمية ، وهذا واضح بما تقدّم في نظائره ، و
« فَيُنَبِّئُكُمْ »
هنا من « نبّأ » غير متضمنة معنى « أعلم » فلذلك تعدّت لواحد بنفسها وللآخر بحرف الجر .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، الآية ( 14 ) . ( 2 ) سورة الشورى ، الآية ( 13 ) . ( 3 ) البيت لذي الرمة انظر ديوانه ( 64 ) . ( 4 ) انظر البيت في المقتضب ( 3 / 259 ) ، مجاز القرآن - - ( 1 / 168 ) . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) تقدم .