يقصد هذا العموم الذي هنا ، فجيء في كلّ مكان بما يناسبه . قوله :
« مِنَ النَّاسِ »
: إمّا بيان وإمّا للتبعيض ، وكلاهما معلوم أنهم من الناس ، فهو جار مجرى التأكيد .
وقرأ ابن عباس وأبو عبد الرحمن بفتح الباء :
« حَبِطَتْ »
وهي لغة معروفة .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 23 إلى 25 ]
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 24 ) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 25 )
قوله تعالى :
يُدْعَوْنَ
في محلّ نصب على الحال من
« الَّذِينَ أُوتُوا » .
وقوله
« لِيَحْكُمَ »
متعلق بيدعون . وقوله :
« ثُمَّ يَتَوَلَّى »
عطف على
« يُدْعَوْنَ »
و
« مِنْهُمْ »
صفة لفريق .
وقوله :
« وَهُمْ مُعْرِضُونَ »
يجوز أن تكون صفة معطوفة على الصفة قبلها فتكون الواو عاطفة ، وأن تكون في محلّ نصب على الحال من الضمير المستتر في
« مِنْهُمْ »
لوقوعه صفة فتكون الواو للحال ، « ويجوز أن تكون حالا من
« فَرِيقٌ »
وجاز ذلك وإن كان نكرة لتخصيصه بالوصف قبله » وإذا كانت حالا فيجوز أن تكون مؤكدة ، لأنّ التولّي والإعراض بمعنى ، ويجوز أن تكون مبيّنة لاختلاف متعلّقهما ، قالوا : لأنّ التولّي عن الداعي ، والإعراض عمّا دعي إليه . ويحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة لا محلّ لها أخبر عنهم بذلك .
وقرأ الحسن وأبو جعفر والجحدري
« لِيَحْكُمَ »
مبنيا للمفعول والقائم مقام الفاعل هو الظرف ، أي : ليقع الحكم بينهم .
قوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ :
يجوز في
« ذلِكَ »
وجهان :
أصحّهما : أنه مبتدأ والجارّ بعده خبره ، أي : ذلك التولّي بسبب هذه الأقوال الباطلة التي لا حقيقة لها .
والثاني : أن
« ذلِكَ »
خبر مبتدإ محذوف أي : الأمر ذلك ، وهو قول الزجاج . وعلى هذا فقوله :
« بِأَنَّهُمْ »
متعلق بذلك المقدّر ، وهو الأمر ونحوه . وقال أبو البقاء : « فعلى هذا يكون قوله :
« بِأَنَّهُمْ »
في موضع نصب على الحال ممّا في « ذا » من معنى الإشارة أي : ذلك الأمر مستحقا بقولهم » ، ثم قال : « وهذا ضعيف » . قلت : بل لا يجوز البتة .
وجاء هنا
« مَعْدُوداتٍ »
بصيغة الجمع ، وفي البقرة « 1 » :
« مَعْدُودَةً »
تفنّنا في البلاغة ، وذلك أنّ جمع التكسير غير العاقل يجوز أن يعامل معاملة الوحدة المؤنثة تارة ومعاملة جمع الإناث أخرى ، فيقال : « هذه جبال راسية » وإن شئت « راسيات » ، و « جمال ماشية » وإن شئت : « ماشيات » . وخصّ الجمع بهذا الموضع لأنه مكان تشنيع عليهم بما فعلوا وقالوا ، فأتى بلفظ الجمع مبالغة في زجرهم وزجر من يعمل بعملهم .
قوله :
وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ
الغرور : الخداع ، يقال منه : غرّة يغرّه غرورا فهو غارّ ومغرور ، والغرور - بالفتح -
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 80 ) .