1213 - ومن شانىء كاسف وجهه * إذا ما انتسبت له أنكرن « 1 »
قال بعضهم : « يكثر حذف هذه الياء مع نون الوقاية خاصة ، فإن لم تكن نون فالكثير إثباتها » .
قوله :
أَ أَسْلَمْتُمْ
صورته استفهام ومعناه الأمر ، أي : أسلموا ، كقوله تعالى :
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
أي : انتهوا ، قال الزمخشري : « يعني أنه قد أتاكم من البيّنات ما يوجب الإسلام ويقتضي حصوله لا محالة ، فهل أسلمتم بعد ، أم أنتم على كفركم ؟ وهذا كقولك لمن لخّصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقا إلّا سلكته : هل فهمتها أم لا ، لا أمّ لك ؟ ومنه قوله عز وجل :
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
« 2 » بعد ما ذكر الصّوارف عن الخمر والميسر ، وفي هذا الاستفهام استقصاء وتعبير بالمعاندة وقلّة الإنصاف ، لأنّ المنصف إذا تجلّت له الحجّة لم يتوقّف إذعانه للحق » وهو كلام حسن جدا وقوله :
« فَقَدِ اهْتَدَوْا »
دخلت « قد » على الماضي مبالغة في تحقّق وقوع الفعل وكأنّه قد قرب من الوقوع .
قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ :
لمّا ضمّن هذا الموصول معنى الشرط دخلت الفاء في خبره ، وهو قوله :
فبشّرهم ، وهذا هو الصحيح ، أعني أنه إذا نسخ المبتدأ ب «
إِنَّ
« فجواز دخول الفاء باق ، لأن المعنى لم يتغيّر ، بل ازداد تأكيدا ، وخالف الأخفش فمنع دخولها مع نسخه ب « إنّ ، والسماع حجّة عليه كهذه الآية ، وكقوله :
إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
« 3 » الآية ، وكذلك إذا نسخ ب « لكنّ » كقوله :
1214 - فو اللّه ما فارقتكم عن ملالة * ولكنّ ما يقضى فسوف يكون « 4 »
وكذلك إذا نسخ ب « أنّ » المفتوحة كقوله تعالى :
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ « فَأَنَّ لِلَّهِ « خُمُسَهُ »
، أمّا إذا نسخ بليت ولعل وكأنّ امتنعت الفاء عند الجمع لتغيّر المعنى .
قوله :
وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ
قرأ حمزة « ويقاتلون » من المقاتلة ، والباقون :
« وَيَقْتُلُونَ »
كالأول ، فأمّا قراءة حمزة فإنه غاير فيها بين الفعلين وهي موافقة لقراءة عبد اللّه : « وقاتلوا » من المقاتلة ، إلّا أنّه أتى بصيغة الماضي ، وحمزة يحتمل أن يكون المضارع في قراءته لحكاية الحال ومعناه المضيّ . وأمّا الباقون فقيل في قراءتهم : إنما كرّر الفعل لاختلاف متعلّقه ، أو كرّر تأكيدا ، وقيل : المراد بأحد القتلين تفويت الروح وبالآخر الإهانة ، فلذلك ذكر كلّ واحد على حدته ، ولولا ذلك لكان التركيب
« وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ
و
الَّذِينَ يَأْمُرُونَ »
. « 5 »
وقرأ الحسن : « ويقتّلون » بالتشديد ومعناه التكثير ، وجاء هنا
« بِغَيْرِ حَقٍّ »
منكّرا ، وفي البقرة « 6 »
« بِغَيْرِ الْحَقِّ »
معرّفا قيل : لأنّ الجملة هنا أخرجت مخرج الشرط ، وهو عامّ لا يتخصّص فلذلك ناسب أن تنكّر في سياق النفي ليعمّ ، وأمّا في البقرة فجاءت الآية في ناس معهودين مشخّصين بأعيانهم ، وكان الحقّ الذي يقتل به الإنسان معروفا عندهم فلم
هامش
( 1 ) انظر ديوانه 192 ، الكتاب 4 / 187 ، ابن يعيش 9 / 86 ، أمالي الشجري 2 / 73 .
الشاني : المبغض والكاسف : العابس المتغير اللون . والشاهد حذف الياء من قوله « أنكرن » .
( 2 ) سورة المائدة ، آية ( 91 ) .
( 3 ) سورة البروج ، آية ( 10 ) .
( 4 ) البيت للأفوه الأودي انظر الهمع 1 / 110 ، العيني 2 / 315 ، التصريح على التوضيح 1 / 225 ، الدرر 1 / 80 ، الأشموني 1 / 225 - 284 ، وليس البيت في ديوانه .
( 5 ) سورة الأنفال ، آية ( 41 ) .
( 6 ) سورة البقرة ، آية ( 61 ) .