قوله :
وَالْمُحْصَناتُ
في رفعه أيضا وجهان ، أحدهما : أنه مبتدأ خبره محذوف أي : المحصنات حلّ لكم أيضا ، وهذا هو الظاهر . واختار أبو البقاء أن يكون معطوفا على
« الطَّيِّباتُ »
فإنه قال :
« مِنَ الْمُؤْمِناتِ »
حال من الضمير في
« الْمُحْصَناتُ »
أو من نفس
« الْمُحْصَناتُ »
إذا عطفتها على
« الطَّيِّباتُ »
، و
« حِلٌّ »
: مصدر بمعنى الحلال فلذلك لم يؤنّث ولم يثنّ ولم يجمع ، لأنه أحسن الاستعمالين في المصادر الواقعة صفة للأعيان ، ويقال في الاتباع : « حلّ بلّ » وهو كقولهم : « حسن بسن » ، و « عطشان نطشان » . و
« مِنَ الْمُؤْمِناتِ »
حال كما تقدم : إمّا من الضمير في
« الْمُحْصَناتُ »
أو من
« الْمُحْصَناتُ »
. وقد تقدّم الكلام في اشتقاق هذه اللفظة واختلاف القرّاء فيها في سورة النساء « 1 » .
قوله :
إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ
ظرف العامل فيه أحد شيئين : إمّا
« أُحِلَّ »
وإمّا
« حِلٌّ »
المحذوف على حسب ما قرّر . والجملة بعده في محلّ خفض بإضافته إليها ، وهي هنا لمجرد الظرفية . ويجوز أن تكون شرطية وجوابها محذوف ، أي : إذا آتيتموهن أجورهن حللن لكم ، والأول أظهر . و
« مُحْصِنِينَ »
حال ، وعاملها أحد ثلاثة أشياء :
إمّا
« آتَيْتُمُوهُنَّ »
، وصاحب الحال الضمير المرفوع ، وإمّا
« أُحِلَّ »
المبني للمفعول ، وإمّا
« حِلٌّ »
المحذوف كما تقدم . و
« غَيْرَ »
يجوز فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن ينتصب على أنه نعت ل
« مُحْصِنِينَ »
.
والثاني : أنه يجوز نصبه على الحال ، وصاحب الحال الضمير المستتر في
« مُحْصِنِينَ »
.
والثالث : أنه حال من فاعل
« آتَيْتُمُوهُنَّ »
على أنها حال ثانية منه ، وذلك عند من يجوّز ذلك . وقوله :
« وَلا مُتَّخِذِي »
يجوز فيه الجر على أنه عطف على
« مُسافِحِينَ »
، وزيدت « لا » تأكيدا للنفي المفهوم من
« غَيْرَ »
، والنصب على أنه عطف على
« غَيْرَ »
باعتبار أوجهها الثلاثة ، ولا يجوز عطفه على
« مُحْصِنِينَ »
لأنه مقترن ب
« لا »
المؤكدة للنفي المتقدم ولا نفي مع
« مُحْصِنِينَ »
. وتقدّم معاني هذه الألفاظ .
وقوله :
وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ
تقدّم له نظائر . وقيل : المراد بالإيمان المؤمن به ، فهو مصدر واقع موقع المفعول ك « درهم ضرب الأمير » وقيل : ثمّ مضاف محذوف أي : بموجب الإيمان وهو الباري تبارك وتعالى .
:
وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ
الظاهر أنّ الخبر قوله :
« مِنَ الْخاسِرِينَ »
فيتعلّق قوله
« فِي الْآخِرَةِ »
بما تعلّق به هذا الخبر . وقال مكي « العامل في الظرف محذوف تقديره : « وهو خاسر في الآخرة » ودلّ على المحذوف قوله :
« مِنَ الْخاسِرِينَ »
. فإن جعلت الألف واللام في
« الْخاسِرِينَ »
ليستا بمعنى الذين جاز أن يكون العامل في الظرف
« مِنَ الْخاسِرِينَ »
. يعني أنه لو كانت موصولة لامتنع أن يعمل ما بعدها فيما قبلها ، لأنّ الموصول لا يتقدم عليه ما فيه حيّزه ، وهذا كما قالوا في قوله :
إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ
« 2 »
وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ
« 3 » ، وتقدير مكي متعلّق هذا الظرف وهو « خاسر » إنما هو بناء على كون « أل » موصولة بدليل قوله : « فإن جعلت الألف واللام ليستا بمعنى
« الَّذِينَ »
، وبالجملة فلا حاجة إلى هذا التقدير ، بل العامل فيه كما تقدم العامل في الظرف الواقع خبرا وهو الكون المطلق ، ولا يجوز أن يكون
« فِي الْآخِرَةِ »
هو الخبر ، و
« مِنَ الْخاسِرِينَ »
متعلّق بما تعلّق به لأنه لا
هامش
( 1 ) انظر تفسير الآية ( 24 ) .
( 2 ) سورة الشعراء ، الآية ( 168 ) .
( 3 ) سورة يوسف ، الآية ( 20 ) .