تقدم من الدليل ، وهذه الأقوال دلائلها في غير هذا الكتاب ، وقد أوضحتها في كتابي « شرح التسهيل » . والقول الثاني : أنها بمعنى « مع » أي : مع المرافق ، وقد تقدّم الكلام في ذلك عند قوله :
إِلى أَمْوالِكُمْ
« 1 » .
والمرافق : جمع « مرفق » بفتح الميم وكسر الفاء على الفصيح من اللغة ، وهو مفصل ما بين العضد والمعصم .
قوله :
بِرُؤُسِكُمْ
في هذه الباء ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها للإلصاق أي : ألصقوا المسح برؤوسكم . قال الزمخشري : « المراد إلصاق المسح بالرأس ، وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق المسح برأسه » .
قال الشيخ « 2 » : « وليس كما ذكر » يعني أنه لا يطلق على الماسح بعض رأسه أنه ملصق المسح برأسه وهذه مشاحّة لا طائل تحتها .
والثاني : أنها زائدة ، كقوله :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ
« 3 » ، وقوله :
1607 - . . . * . . . لا يقرأن بالسّور « 4 »
وهو ظاهر كلام سيبويه « 5 » ، فإنه حكى : « خشّنت صدره وبصدره » و « مسحت رأسه وبرأسه » بمعنى واحد ، وقال الفراء : « تقول العرب : « خذ الخطام وبالخطام » و « هزّ به » ، و « خذ برأسه ورأسه » .
والثالث : أنها للتبعيض كقوله :
1708 - شرين بماء البحر ثمّ ترفّعت * . . . « 6 »
وهذا قول ضعيف ، وقد تقدّم القول في ذلك أول البسملة .
قوله :
وَأَرْجُلَكُمْ
قرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم :
« أَرْجُلَكُمْ »
نصبا ، وباقي السبعة :
وأرجلكم » جرا ، والحسن بن أبي الحسن : و « أرجلكم » رفعا ، فأمّا قراءة النصب ففيها تخريجان :
أحدهما : أنها معطوفة على
« أَيْدِيَكُمْ »
فإنّ حكمها الغسل كالأوجه والأيدي ، كأنه قيل : « واغسلوا أرجلكم » . إلا أنّ هذا التخريج أفسده بعضهم بأنه يلزم منه الفصل بين المتعاطفين بجملة غير اعتراضية لأنها منشئة حكما جديدا فليس فيها تأكيد للأول . وقال ابن عصفور - وقد ذكر الفصل بين المتعاطفين - : « وأقبح ما يكون ذلك بالجمل » فدل قوله على أنه لا يجوز تخريج الآية على ذلك . وقال أبو البقاء عكس هذا فقال : « هو معطوف على الوجوه » ، ثم قال : « وذلك جائز في العربية بلا خلاف » ، وجعل السنية الواردة بغسل الرجلين مقوية لهذا التخريج ، وليس بشيء ، فإنّ القائل أن يقول : يجوز أن يكون النصب على محلّ المجرور وكان حكمها المسح ولكنه نسخ ذلك بالسنّة ، وهو قول مشهور للعلماء .
والثاني : أنه منصوب عطفا على محل المجرور قبله ، كما تقدّم تقريره قبل ذلك .
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية ( 2 ) .
( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 436 ) .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 195 ) .
( 4 ) تقدم .
( 5 ) انظر الكتاب ( 1 / 37 ) .
( 6 ) تقدم .