« تقديره : بنقض ميثاقهم ، والمعنى : ورفعنا فوقهم الطور تخويفا ، لهم بسبب نقضهم الميثاق » . وفيه ذلك النظر المتقدم ، ولقائل أن يقول : لمّا همّوا بنقضه وقاربوه صح أن يقال : رفعنا الطور فوقهم لنقضهم الميثاق أي :
لمقاربتهم نقضه ، لأنّ ما قارب الشيء أعطي حكمه ، فتصحّ عبارة من قدّر مضافا كأبي البقاء وغيره . والميثاق مصدر مضاف لمفعوله . و
« سُجَّداً »
حال من فاعل
« ادْخُلُوا »
.
قوله :
لا تَعْدُوا
قرأ الجمهور :
« تَعْدُوا »
بسكون العين وتخفيف الدال من عدا يعدو ، كغزا يغزو ، والأصل : « تعدووا » بواوين : الأولى لام الكلمة والثانية ضمير الفاعلين ، فاستثقلت الضمة على لام الكلمة فحذفت ، فالتقى بحذفها ساكنان ، فحذف الأول وهو الواو الأولى ، وبقيت واو الفاعلين ، فوزنه : نفعوا . وقرأ نافع بفتح العين وتشديد الدال ، إلا أن الرواة اختلفوا عن قالون عن نافع : فرووا عنه تارة بسكون العين سكونا محضا ، وتارة إخفاء فتحة العين . فأما قراءة نافع فأصلها : تعتدوا ، ويدل على ذلك إجماعهم على :
اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ
« 1 » كونه من الاعتداء وهو افتعال من العدوان ، فأريد إدغام تاء الافتعال في الدال فنقلت حركتها إلى العين وقلبت دالا وأدغمت . وهذه قراءة واضحة . وأما ما يروى عن قالون من السكون المحض فشئ لا يراه النحويون لأنه جمع بين ساكنين على غير حدّهما . وأمّا الاختلاس فهو قريب للإتيان بحركة ما ، وإن كانت خفيّة ، إلا أنّ الفتحة ضعيفة في نفسها فلا ينبغي أن تخفى لتزاد ضعفا ، ولذلك لم يجز القراء رومها وقفا لضعفها . وقرأ الأعمش :
« تعتدوا » بالأصل الذي أدغمه نافع .
قوله تعالى :
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ :
في « ما » هذه وجهان :
أحدهما : أنها زائدة بين الجار ومجروره تأكيدا .
والثاني : أنها نكرة تامة ، و
« نَقْضِهِمْ »
بدل منه ، وهذا كما تقدّم في
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ
« 2 » . و « نقض » مصدر مضاف لفاعله ، و
« مِيثاقَهُمْ »
مفعوله ، وفي متعلّق الباء الجارة ل « ما » هذه وجهان :
أحدهما : أنه
« حَرَّمْنا »
المتأخر في قوله :
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا
« 3 » وعلى هذا فيقال :
« فَبِظُلْمٍ »
متعلق ب
« حَرَّمْنا »
أيضا فيلزم أن يتعلق حرفا جر متحدان لفظا ومعنى بعامل واحد ، وذلك لا يجوز إلا مع العطف أو البدل . وأجابوا عنه بأن قوله
« فَبِظُلْمٍ »
بدل من قوله
« فَبِما »
بإعادة العامل . فيقال : لو كان بدلا لما دخلت عليه فاء العطف ؛ لأن البدل تابع بنفسه من غير توسّط حرف عطف . وأجيب عنه بأنه لمّا طال الكلام بين البدل والمبدل منه أعاد الفاء للطول ، ذكر ذلك أبو البقاء والزجاج والزمخشري وأبو بكر وغيرهم .
وقد ردّه الشيخ « 4 » بما معناه أن ذلك لا يجوز لطول الفصل بين المبدل والبدل ، وبأنّ المعطوف على السبب سبب فيلزم تأخّر بعض أجزاء السبب الذي للتحريم في الوقت عن وقت التحريم ، فلا يمكن أن يكون سببا أو جزء سبب إلا بتأويل بعيد ، وذلك أن قولهم :
« إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ »
وقولهم على مريم البهتان إنما كان بعد تحريم الطيبات . قال :
« فالأولى أن يكون التقدير : لعنّاهم . وقد جاء مصرّحا به في قوله :
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ »
.
والثاني : أنه متعلق بمحذوف ، فقدّره ابن عطية : لعنّاهم وأذللناهم وختمنا على قلوبهم . قال : وحذف جواب
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 65 ) .
( 2 ) سورة آل عمران ، الآية ( 159 ) .
( 3 ) سورة آل عمران ، الآية ( 160 ) .
( 4 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 388 ) .