قوله :
يُكْفَرُ بِها
في محلّ نصب على الحال من الآيات ، و
« بِها »
في محلّ رفع لقيامه مقام الفاعل ، وكذلك في قوله
« وَيُسْتَهْزَأُ بِها »
والأصل : يكفر بها أحد ، فلمّا حذف الفاعل قام الجارّ والجرور مقامه ، ولذلك روعي هذا الفاعل المحذوف ، فعاد عليه الضمير من قوله
« مَعَهُمْ »
« حَتَّى يَخُوضُوا »
كأنه قيل : إذا سمعتم آيات اللّه يكفر بها المشركون ويستهزئ بها المنافقون فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره أي : غير حديث الكفر والاستهزاء ، فعاد الضمير في
« غَيْرِهِ »
على ما دلّ عليه المعنى . وقيل : الضمير في
« غَيْرِهِ »
يجوز أن يعود على الكفر والاستهزاء المفهومين من قوله
« يُكْفَرُ بِها »
و
« يُسْتَهْزَأُ بِها »
، وإنما أفرد الضمير وإن كان المراد به شيئين لأحد أمرين :
إمّا لأنّ الكفر والاستهزاء شيء واحد في المعنى .
وإمّا لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة نحو :
عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ
« 1 » وقوله :
1672 - كأنّه في الجلد توليع البهق * . . . « 2 »
وقد تقدّم تحقيقه في البقرة . و
« حَتَّى »
غاية للنهي ، والمعنى : أنه يجوز مجالستهم عند خوضهم في غير الكفر والاستهزاء .
قوله :
إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ
« إذن » هنا ملغاة لوقوعها بين مبتدأ وخبر . والجمهور على رفع اللام في
« مِثْلُهُمْ »
على خبر الابتداء . وقرىء « 3 » شاذا بفتحها ، وفيها تخريجان ، أحدهما : - وهو قول البصريين - أنه خبر أيضا ، وإنما فتح لإضافته إلى غير متمكن كقوله تعالى :
« إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ »
« 4 » بفتح اللام ، وقول الفرزدق :
1673 - . . . * . . . وإذ ما مثلهم بشر « 5 »
في أحد الأوجه . والثاني : - وهو قول الكوفيين - أن « مثل » يجوز نصبها على المحل أي الظرف ، ويجيزون :
« زيد مثلك » بالنصب على المحل أي : زيد في مثل حالك . وأفرد « مثل » هنا وإن أخبر به عن جمع ولم يطابق به كما طابق ما قبله في قوله :
ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ
« 6 » ، وقوله :
وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ
« 7 » : قال أبو البقاء وغيره :
« لأنه قصد به هنا المصدر فوحّد كما وحّد في قوله :
أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا
« 8 » . وتحرير المعنى : أن التقدير : إن عصيانكم مثل عصيانهم ، إلا أنّ تقدير المصدرية في قوله « لبشرين مثلنا » قلق .
قوله تعالى :
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ :
فيه ستة أوجه :
أحدها : أنه بدل من قوله :
« الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ »
، فيجيء فيه الأوجه المذكورة هناك .
الثاني : أنه نعت للمنافقين على اللفظ فيكون مجرور المحل .
الثالث : أنه تابع لهم على الموضع فيكون منصوب المحلّ ، وقد تقرر أنّ اسم الفاعل العامل إذا أضيف إلى
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 68 ) .
( 2 ) تقدم .
( 3 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 375 ) .
( 4 ) سورة الذاريات ، الآية ( 23 ) .
( 5 ) جزء بيت وتمامهفأصبحوا قد أعاد اللّه نعمتهم * - - إذ هم قريش . . .انظر ديوانه ( 167 ) ، الكتاب ( 1 / 60 ) ، المقرب ( 1 / 102 ) ، المغني ( 87 ) ، رصف المعاني ( 312 ) .
( 6 ) سورة محمد ، الآية ( 38 ) .
( 7 ) سورة الواقعة ، الآية ( 22 ) .
( 8 ) سورة المؤمنون ، الآية ( 47 ) .