قوله تعالى :
فَما لَكُمْ :
مبتدأ وخبر . و
« فِي الْمُنافِقِينَ »
فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه متعلق بما تعلّق به الخبر وهو
« لَكُمْ »
أي : أيّ شيء كائن لكم - أو مستقر لكم - في أمر المنافقين .
والثاني : أنه متعلق بمعنى فئتين ، فإنه في قوة « ما لكم تفترقون في أمور المنافقين » فحذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه .
والثالث : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من
« فِئَتَيْنِ »
لأنه في الأصل صفة لها ، تقديره : فئتين مفترقتين في المنافقين ، وصفة النكرة إذا قدّمت عليها انتصبت حالا .
وفي
« فِئَتَيْنِ »
وجهان :
أحدهما : أنها حال من الكاف والميم في
« لَكُمْ »
، والعامل فيها الاستقرار الذي تعلّق به
« لَكُمْ »
، ومثله :
« فما لهم عن التذكرة معرضين » « 1 » ، وقد تقدّم أنّ هذه الحال لازمة ؛ لأن الكلام لا يتمّ دونها ، وهذا مذهب البصريين في كل ما جاء من هذا التركيب .
والثاني : - وهو مذهب الكوفيين - : أنه نصب على خبر « كان » مضمرة ، والتقدير : ما لكم في المنافقين كنتم فئتين ، وأجازوا : « ما لك الشاتم » أي : ما لك كنت الشاتم ، والبصريون لا يجيزن ذلك لأنه حال والحال لا تتعرّف ، ويدلّ على كونه حالا التزام مجيئه في هذا التركيب نكرة ، وهذا كما قالوا في « ضربي زيدا قائما » إن « قائما » لا يجوز نصبه على خبر « كان » المقدرة ، بل على الحال لالتزام تنكيره . وقد تقدّم اشتقاق « الفئة » في البقرة « 2 » .
قوله :
وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ
مبتدأ وخبر ، وفيها وجهان :
أظهرهما : أنها حال : إمّا من المنافقين - وهو الظاهر - وإمّا من المخاطبين ، والرابط الواو ، كأنه أنكر عليهم اختلافهم في هؤلاء ، والحال أن اللّه قد ردّهم إلى الكفر .
والثاني : أنها مستأنفة أخبر تعالى عنهم بذلك . و
« بِما كَسَبُوا »
متعلق ب
« أَرْكَسَهُمْ »
والباء سببية أي : بسبب كسبهم ، و « ما » مصدرية أو بمعنى الذي ، والعائد محذوف على الثاني لا على الأول على الصحيح .
والإركاس : الردّ والرّجع ، ومنه الرّكس للرجيع ، قال عليه السّلام في الرّوثة لمّا أتي بها : « إنها ركس » « 3 » .
وقال أمية بن أبي الصلت :
1640 - فأركسوا في جحيم النّار إنّهم * كانوا عصاة وقالوا الإفك والزّورا « 4 »
أي : ردّوا ، وقال الراغب : « الرّكس والنّكس : الرّذل ، إلا أنّ الرّكس أبلغ ، لأن النّكس ما جعل أعلاه أسفله ، والرّكس ما صار رجيعا بعد أن كان طعاما . وقيل : أركسه أوبقه ، قال :
1641 - بشؤمك أركستني في الخنا * وأرميتني بضروب العنا « 5 »
هامش
( 1 ) سورة المدثر ، الآية ( 49 ) .
( 2 ) انظر الآية رقم ( 249 ) .
( 3 ) أخرجه الترمذي ( 117 ) ، وأحمد في المسند ( 1 / 388 ) ، والطبراني في الكبير ( 10 / 74 - 75 ) ، والدارقطني ( 1 / 55 ) .
( 4 ) انظر ديوانه ( 236 ) ، البحر ( 3 / 311 ) .
( 5 ) انظر البيت في البحر ( 3 / 311 ) .