قال الراغب : « القسط » : أن يأخذ قسط غيره ، وذلك جور ، والإقساط : أن يعطي قسط غيره ، وذلك إنصاف ، ولذلك يقال : « قسط الرجل إذا جار ، وأقسط : إذا عدل ، قال تعالى :
وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
« 1 » وقال تعالى :
وَأَقْسِطُوا ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
« 2 » .
ومن غيريب ما يحكى أن الحجّاج لما أحضر الحبر الشهير سعيد بن جبير ، قال له : « ما تقول فيّ ؟ » قال : « قاسط عادل » ، فأعجب الحاضرين ، فقال لهم الحجاج : « ويلكم . لم تفهموا عنه ، إنه جعلني جائرا كافرا ، ألم تسمعوا قول اللّه تعالى :
وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
وقوله تعالى :
ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
« 3 » وقد تقدم استيفاء الكلام في هذه المادة في قوله :
قائِماً بِالْقِسْطِ
« 4 » .
قوله :
ما طابَ
في
« ما »
هذه أوجه :
أحدها : أنها بمعنى الذي ، وذلك عند من يرى أنّ
« ما »
تكون للعاقل ، وهي مسألة مشهورة ، قال بعضهم :
« وحسّن وقوعها هنا أنها واقعة على النساء وهن ناقصات العقول . وبعضهم يقول : هي لصفات من يعقل . وبعضهم يقول : لنوع من يعقل ، كأنه قيل : النوع الطيب من النساء ، وهي عبارات متقاربة ، ولذلك لم نعدّها أوجها .
الثاني : أنها نكرة موصوفة أي : انكحوا جنسا طيبا ، أو عددا طيبا .
الثالث : أنها مصدرية وذلك المصدر واقع على موقع اسم فاعل تقديره : فانحوا الطيب . وقال الشيخ « 5 » هنا :
« والمصدر مقدر هنا باسم الفاعل ، والمعنى : فانكحوا النكاح الذي طاب لكم » والأول أظهر .
الرابع : أنها ظرفية ، والظرفية تستلزم المصدرية ، والتقدير : فانحوا مدة يطيب فيها النكاح لكم . إذا تقرر هذا فإن قلنا : إنها موصولة اسمية أو نكرة موصوفة أو مصدرية والمصدر واقع موقع اسم الفاعل كانت « ما » مفعولا ب « انكحوا » .
ويكون
« مِنَ النِّساءِ »
فيه وجهان :
أحدهما : أنها لبيان الجنس المبهم في « ما » عند من يثبت لها ذلك .
والثاني : أنها تبعيضية ، أي : بعض النساء ، وتتعلق بمحذوف على أنها حال من
« ما طابَ »
. وإن قلنا : إنها مصدرية ظرفية أو مصدرية محضة ، ولم يوقع المصدر موقع اسم فاعل كما تقدمت حكايته عن الشيخ كان مفعول
« فَانْكِحُوا »
قوله
« مِنَ النِّساءِ »
، نحو قولك : « أكلت من الرغيف ، وشربت من العسل » أي : شيئا من الرغيف وشيئا من العسل . فإن قيل : لم لا تجعل على هذا
« مَثْنى »
وما بعدها هو مفعول
« فَانْكِحُوا »
أي : فانكحوا هذا العدد ؟ فالجواب :
أن هذه الألفاظ المعدولة لا تلي العوامل .
وقرأ ابن أبي عبلة : « من طاب » وهو مرجّح كون « ما » بمعنى الذي للعاقل . وفي مصحف أبيّ بن كعب : « طيب » بالياء ، وهذا ليس بمبني للمفعول ، لأنه قاصر ، وإنما كتب كذلك دلالة على الإمالة وهي قراءة حمزة « 6 » .
هامش
( 1 ) سورة الجن ، آية ( 15 ) .
( 2 ) سورة المائدة ، آية ( 42 ) .
( 3 ) سورة الأنعام ، آية ( 1 ) .
( 4 ) سورة المائدة ، آية ( 18 ) .
( 5 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 162 ) .
( 6 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 162 ) .