الوجه الثاني : أنّ
« الَّذِينَ »
مفعول أول أيضا ، ومفعوله الثاني هو
« بِمَفازَةٍ »
الملفوظ به بعد الفعل الثاني ، ومفعول الفعل الثاني محذوف لدلالة مفعول الأول عليه ، والتقدير : لا يحسبنّ الرسول الذين يفرحون بمفازة فلا يحسبنّهم كذلك ، والعمل كما تقدم . وهذا بعيد جدا للفصل بين المفعول الثاني للفعل الأول بكلام طويل من غير حاجة . والفاء على هذين الوجهين عاطفة ، والسببية فيها ظاهرة .
وإن جعلناه مسندا إلى الموصول ففيه ثلاثة أوجه ، أولها : أنّ الفعل الأول حذف مفعولاه اختصارا لدلالة مفعولي الفعل الثاني عليهما تقديره : لا يحسبنّ الفارحون أنفسهم فائزين فلا يحسبنّهم فائزين كقول الآخر :
1514 - بأيّ كتاب أم بأيّة سنّة * ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب « 1 »
أي : وتحسب حبّهم عارا ، فحذف مفعولي الفعل الثاني لدلالة مفعولي الأول عليهما ، وهو عكس الآية الكريمة حيث حذف فيها من الفعل الأول .
الوجه الثاني : أنّ الفعل الأول لم يحتج إلى مفعولين هنا . قال أبو علي : « يحسبنّ » لم يقع على شيء ، و
« الَّذِينَ »
رفع به ، وقد تجيء هذه الأفعال لغوا لا في حكم الجمل المفيدة كقوله :
1515 - وما خلت أبقى بيننا من مودّة * عراض المذاكي المسنفات القلائصا « 2 »
وقال الخليل : « العرب تقول : ما رأيت يقول ذلك إلا زيد ، وما ظننت يقول ذلك إلا عمرو » يعني أبو علي : أنها في هذه الأماكن ملغاة لا مفعول لها .
الثالث : أن يكون المفعول الأول محذوفا . والثاني هو نفس
« بِمَفازَةٍ »
ويكون « فلا يحسبنّهم » تأكيدا للفعل الأول .
وهذا رأي الزمخشري ، فإنه قال بعدما حكى هذه القراءة : « على أنّ الفعل للذين يفرحون ، والمفعول الأول محذوف على معنى : « لا يحسبنّهم الذين يفرحون بمفازة » بمعنى : لا يحسبنّ أنفسهم الذين يفرحون فائزين ، و « فلا يحسبنّهم » تأكيد انتهى .
قال الشيخ « 3 » : « وتقدّم لنا الردّ على الزمخشري في تقديره : « لا يحسبنّهم الذين » في قوله :
لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي
« 4 » وأن هذا التقدير لا يصحّ » . قلت : قد تقدم ذلك والجواب عنه بكلام طويل ، لكن ليس هو في قوله :
لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي
بل في قوله : ( ولا يحسبنّ الذين قتلوا في سبيل اللّه ) « 5 » في قراءة من قرأه بياء الغيبة ، فهناك ردّ عليه بما قال ، وقد أجبت عنه والحمد للّه ، وإنما نبّهت على الموضع لئلا يطلب هذا البحث من المكان الذي ذكره فلم يوجد .
ويجوز أن يقال في تقرير هذا الوجه الثالث : إنه حذف من أحد الفعلين ما أثبت نظيره في الآخر ، وذلك أن
« بِمَفازَةٍ »
مفعول ثان للفعل الأول حذفت من الفعل الثاني ، و « هم » في : « فلا يحسبنّهم » مفعول أول للفعل الثاني ، وهو
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) البيت للأعشى انظر ديوانه ( 100 ) ، البحر 3 / 137 .
المذاكي : الخيول . المسنفات : مفردها المسنفة وهي المتقدمة ، القلائص : مفردها القلوص وهي الناقة الشابة وأراد بها هنا الخيول الفتية .
( 3 ) انظر البحر المحيط 3 / 137 .
( 4 ) سورة آل عمران ، آية ( 178 ) .
( 5 ) سورة آل عمران ، آية ( 169 ) .