قوله :
« مِمَّا يَجْمَعُونَ »
موصولة اسمية والعائد محذوف ، ويجوز أن تكون مصدرية ، وعلى هذا فالمفعول محذوف أي :
من جمعكم المال ونحوه .
وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم :
مُتُّمْ
و
مِتُّ
« 1 » : وبابه بضم الميم ، ووافقهم حفص هنا خاصة في الموضعين ، والباقون بالكسر . فأمّا الضم فلأنه فعل بفتح العين من ذوات الواو ، وكل ما كان كذلك فقياسه إذا أسند إلى ياء المتكلم وأخواتها أن تضم فاؤه إمّا من أول وهلة ، وإمّا بأن نبدل الفتحة ضمة ثم ننقلها إلى الفاء على اختلاف بين التصريفيين ، فيقال في « قام وقال وطال » : قمت وقمنا وقمن وطلت وطلن وما أشبه ، ولهذا جاء مضارعه على يفعل وبضم العين نحو : يموت . وأما الكسر فالصحيح من قول أهل العربية أنه من لغة من يقول : مات يمات كخاف يخاف ، والأصل موت بكسر العين كخوف فجاء مضارعه على يفعل بفتح العين : قال الشاعر :
1485 - بنيّتي سيّدة البنات * عيشي ولا يؤمن أن تماتي « 2 »
فجاء بمضارعه على يفعل بالفتح ، فعلى هذه اللغة يلزم أن يقال في الماضي المسند إلى التاء وإحدى أخواتها :
« متّ » بالكسر ليس إلا ، وهو أنّا نقلنا حركة الواو إلى الفاء بعد سلب حركتها دلالة على بنية الكلمة في الأصل . وهذا أولى من قول من يقول : إنّ « متّ » بالكسر مأخوذ من لغة من يقول : « يموت » بالضم في المضارع ، وجعلوا ذلك شاذا في القياس كثيرا في الاستعمال كالمازني وأبي علي الفارسي ، ونقله بعضهم عن سيبويه « 3 » صريحا ، وإذا ثبت ذلك لغة فلا معنى إلى ادّعاء الشذوذ فيه . وأمّا حفص فجمع بين اللغتين .
وقرأ الجماعة : تجمعون بالخطاب جريا على قوله :
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ ،
وحفص بالغيبة : إمّا على الرجوع على الكفار المتقدمين ، وإما على الالتفات من خطاب المؤمنين .
وهذه ثلاثة مواضع : تقدّم الموت على القتل في الأول منها وفي الأخير ، والقتل على الموت في المتوسط ، وذلك أنّ الأول لمناسبة ما قبله من قوله :
« إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى »
فرجع الموت لمن ضرب في الأرض ، والقتل لمن غزا ، وأما الثاني فلأنه محلّ تحريض على الجهاد فقدّم الأهمّ الأعرف ، وأمّا الآخر فلأنّ الموت أغلب .
وقوله :
لَإِلَى اللَّهِ
اللام جواب القسم فهي داخلة على
« تُحْشَرُونَ »
و « إلى اللّه » متعلق به ، وإنما قدّم للاختصاص أي : إلى اللّه لا إلى غيره يكون حشركم ، أو للاهتمام ، وحسّنه كونه فاصلة ، ولولا الفصل لوجب توكيد الفعل بنون ، لأنّ المضارع المثبت إذا كان مستقبلا وجب توكيده مع اللام خلافا للكوفيين ، حيث يجيزون التعاقب بينهما ، كقوله :
1486 - وقتيل مرّة أثأرنّ فإنّه * . . . « 4 »
فجاء بالنون دون اللام ، وقوله :
هامش
( 1 ) سورة مريم ، آية ( 23 ) .
( 2 ) تقدم .
( 3 ) انظر الكتاب 2 / 361 .
( 4 ) صدر بيت لعامر بن الطفيل وعجزه :. . . * فرغ وإنّ أخاكم لم يقصدانظر ديوانه ( 145 ) ، الهمع 2 / 42 ، الدرر 2 / 47 .
المفضليات ( 364 ) .