من جهة أنه كان من حقّه أن يعلّه فيقول : « أبيّ » بقلب الواوين ياءين نحو : عصيّ .
ويقال : غزّاء بالمدّ أيضا وهو شاذّ ، وتحصّل في « غاز » ثلاثة جموع في التكسير : غزاة كقضاة ، وغزّى كصوّم ، وغزّاء كصوّام ، وجمع رابع جمع سلامة ، والجملة كلها في محل نصب بالقول .
قوله :
لِيَجْعَلَ اللَّهُ
في هذه اللام قولان :
أحدهما : أنها لام « كي » .
والثاني : أنها لام العاقبة والصيرورة ، وعلى القول الأول فبم تتعلّق هذه اللام ؟ وفيه وجهان ، فقيل : التقدير : أوقع ذلك أي القول - أو المعتقد - ليجعله حسرة ، أو ندمهم ، كذا قدّره أبو البقاء ، وأجاز الزمخشري : أن تتعلّق بجملة النهي ، وذلك على معنيين باعتبار ما يراد باسم الإشارة على ما سيأتي بيانه في كلامه : أمّا الاعتبار الأول فإنه قال :
« يعني : لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده ليجعله اللّه حسرة في قلوبهم خاصة ، ويصون منها قلوبكم » فجعل
ذلِكَ »
إشارة إلى القول والاعتقاد . وأمّا الاعتبار الثاني فإنه قال : « ويجوز أن يكون
« ذلِكَ »
إشارة إلى ما دلّ عليه النهي أي : لا تكونوا مثلهم ليجعل اللّه انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم ، لأنّ مخالفتهم فيما يقولون ، ويعتقدون ممّا يغمّهم ويغيظهم » .
وقد ردّ عليه الشيخ « 1 » المعنى الأول بالمعنى الثاني الذي ذكره ، وهو ، ولا بدّ من إيراده ليتبيّن لك . قال بعد ما حكى عنه ما نقلته في المعنى الأول : « وهذا كلام مثبج « 2 » لا تحقيق [ فيه ] لأنّ جعل الحسرة لا يكون سببا للنهي كما قلنا . إنما يكون سببا لحصول امتثال النهي ، وهو انتفاء المماثلة ، فحصول ذلك الانتفاء والمخالفة فيما يقولون ويعتقدون يحصل عنه ما يغظيهم ويغمّهم إذ لم يوافقوهم فيما قالوه واعتقدوه فلا تضربوا ولا تغزوا ، فالتبس على الزمخشري استدعاء انتفاء المماثلة بحصول الانتفاء ، وفهم هذا فيه خفاء ودقّة » انتهى . ولا أدري ما وجه تثبيج كلام أبي القاسم ، وكيف ردّ عليه على زعمه بكلامه ؟
وقال الشيخ « 3 » أيضا : « وقال ابن عيسى - يعني الرماني - وغيره اللام متعلقة بالكون ، أي لا تكونوا كهؤلاء ليجعل اللّه ذلك حسرة في قلوبهم دونكم ، ومنه أخذ الزمخشري في قوله ، لكنّ ابن عيسى نصّ على ما تتعلق به اللام ، وذاك لم ينص ، وقد بيّنّا فساد هذا القول » . انتهى . وقوله : « وذلك لم ينصّ » بل قد نصّ ، قال : « فإن قلت ما متعلّق ليجعل ؟
قلت : « قالوا » إلى آخره ، أو بقوله :
« لا تَكُونُوا »
، وأيّ نص أظهر من هذا ؟ ولا يجوز تعلّق هذه اللام - ومعناها التعليل - ب « قالوا » لفساد المعنى ، لأنهم لم يقولوه لذلك بل لتثبيط المؤمنين على الجهاد .
وعلى القول الثاني - أعني كونها للعاقبة - تتعلّق ب « قالوا » والمعنى : أنّهم قالوا ذلك لغرض من أغراضهم ، فكان عاقبة قولهم ومصيره إلى الحسرة والنّدامة كقوله :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
« 4 » ، ولم يلتقطوه لذلك ، لكن كان مآله لذلك ، ولكنّ كونها للصيرورة لم يعرفه أكثر النحويين ، وإنما هو شيء ينسبونه للأخفش ، وما ورد من ذلك يؤولونه على العكس من الكلام نحو :
فَبَشِّرْهُمْ [ بِعَذابٍ ]
« 5 » ، وهذا رأي الزمخشري ، فإنه شبّه هذه اللام
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط 3 / 94 .
( 2 ) .
( 3 ) انظر البحر المحيط 3 / 94 .
( 4 ) سورة القصص ، آية ( 8 ) .
( 5 ) سورة آل عمران ، آية ( 21 ) .