عملت لأجله وهو شبهها ب « ليس » في نفي الحال ، فيكون
« مُحَمَّدٌ »
مبتدأ ، و
« رَسُولٌ »
خبره ، هذا هو مذهب الجمهور ، أعني إهمالها إذا نقض نفيها ، وقد أجاز إعمالها منتقضة النفي بإلّا يونس وأنشد :
1458 - وما الدّهر إلّا منجنونا بأهله * وما صاحب الحاجات إلّا معذّبا « 1 »
فنصب « منجنونا » و « معذّبا » على خبر « ما » ، وهما بعد « إلّا » ، ومثله قول الآخر :
1459 - وما حقّ الّذي يعتو نهارا * ويسرق ليله إلّا نكالا « 2 »
ف « حق » اسم « ما » و « نكالا » خبرها . وتأوّل الجمهور هذه الشواهد على أنّ الخبر محذوف ، وهذا المنصوب معمول لذلك الخبر المحذوف والتقدير : وما الدهر إلّا يدور دوران منجنون ، فحذف الفعل الناصب ل « دوران » ، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب ، وكذا « إلا معذبا » تقديره : يعذّب تعذيبا ، فحذف الفعل وأقيم « معذّبا » مقام « تعذيب » كقوله :
مَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ
« 3 » أي : كلّ تمزيق ، وكذا « إلا نكالا » وفيه من التكلّف ما ترى .
قوله :
قَدْ خَلَتْ
في هذه الجملة وجهان :
أظهرهما : أنها في محلّ رفع صفة ل
« رَسُولٌ »
.
والثاني : أنها في محل نصب على الحال من الضمير المستكنّ في
« رَسُولٌ »
، وفيه نظر لجريان هذه الصفة مجرى الجوامد فلا تتحمّل ضميرا .
و
« مِنْ قَبْلِهِ
فيه وجهان أيضا ، أحدهما : أنه متعلّق ب
« خَلَتْ »
. والثاني : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من
« الرُّسُلُ »
مقدّما عليها ، وهي حينئذ حال مؤكدة ؛ لأنّ ذكر الخلوّ يشعر بالقبلية . وقرأ ابن عباس : « رسل » بالتنكير . قال أبو الفتح : « وجهها أنه موضع تبشير لأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في أمر الحياة ومكان تسوية بينه وبين البشر في ذلك ، وهكذا يفعل في أماكن الاقتصاد نحو :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
« 4 »
وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ
« 5 » وقال أبو البقاء : « وهو قريب من معنى المعرفة » كأنه يريد أنّ المراد بالرسل الجنس ، فالنكرة قريبة منه بهذه الحيثيّة ، قراءة الجمهور أولى لأنّها تدلّ على تفخيم الرسل وتعظيمهم .
قوله :
أَ فَإِنْ ماتَ
الهمزة لاستفهام الإنكار ، والفاء للعطف ورتبتها التقديم لأنها حرف عطف ، وإنما قدّمت الهمزة لأنّها لها صدر الكلام ، وقد تقدّم تحقيق ذلك ، وأنّ الزمخشري يقدّر بينهما فعلا محذوفا تعطف الفاء عليه ما بعدها . وقال ابن خطيب زملّكى : « الأوجه أن يقدّر محذوف بعد الهمزة وقبل الفاء تكون الفاء عاطفة عليه ، ولو صرح به لقيل : أتؤمنون به مدة حياته فإن مات ارتددتم فتخالفوا سنن اتّباع الأنبياء قبلكم في ثباتهم على ملل أنبيائهم بعد موتهم » وهذا هو مذهب الزمخشري ، إلّا أنّ الزمخشري هنا عبّر بعبارة لا تقتضي مذهبه الذي هو حذف جملة بعد الهمزة فإنه قال : « الفاء معلّقة للجملة الشرطية بالجملة قبلها على معنى التسبيب ، والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلوّ الرسل قبله سببا لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل ، مع علمهم أنّ خلوّ الرسل قبله وبقاء دينهم متمسّكا به يجب أن
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) البيت لمغلس بن لقيط انظر العيني 2 / 148 ، الهمع 1 / 123 ، الدرر 1 / 94 .
( 3 ) سورة سبأ ، آية ( 19 ) .
( 4 ) سورة سبأ ، آية ( 13 ) .
( 5 ) سورة هود ، آية ( 40 ) .