فالثاني محذوف تقديره : وليعلم الذين آمنوا مميّزين بالإيمان من غيرهم .
وقرىء شاذا « 1 » : « يداولها » بياء الغيبة وهو موافق لما قبله ولما بعده . وقراءة العامة على الالتفات المفيد للتعظيم .
قوله :
« مِنْكُمْ »
الظاهر أنّ
« مِنْكُمْ »
متعلق بالاتخاذ ، وجوّزوا فيه أن يتعلّق بمحذوف على أنه حال من
« شُهَداءَ »
لأنه في الأصل صفة له .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 141 ]
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ( 141 )
وقوله تعالى :
وَلِيُمَحِّصَ :
معطوف على
« لِيَعْلَمَ »
وتكون الجملة من قوله :
« وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ »
جملة معترضة بين هذه العلل . والتمحيص : التخليص من الشيء ، وقيل : المحص كالفحص ، ولكنّ الفحص يقال في إبراز شيء من أثناء ما يختلط به وهو منفصل ، والمحص يقال في إبرازه عمّا هو متصل به ، يقال : محصت الذهب ومحّصته إذا أزلت عنه ما يشوبه من خبث . ومحص الثوب : إذا أزال عنه زئبره « 2 » ، ومحص الحبل أي أخلق حتى ذهب عنه زئبره ، ومحص الظبي : عدا ، فمحص بالتخفيف يكون قاصرا ومتعدّيا ، هكذا روى الزجاج هذه اللفظة : « الحبل » ، ورواها النقاش : « محص الجمل » إذا ذهب وبره وأملس ، والمعنيان واضحان .
وقال الخليل : « التمحيص : التخليص من الشيء المعيب . وقيل : هو الابتلاء والاختبار » وأنشد :
1449 - رأيت فضيلا كان شيئا ملفّفا * فكشّفه التّمحيص حتّى بدا ليا « 3 »
وروى الواحدي عن المبرد بسند متصل : محص الحبل يمحص محصا إذا ذهب زئبره حتى تملّص ، وحبل محيص ومليص بمعنى واحد . قال : « يستحبّ في الفرس أن تمحص قوائمه أي : تخلص ، وأنشد ابن الأنباري على ذلك يصف فرسا :
1450 - صمّ النسور صحاح غير عائرة * ركّبن في محصات ملتقى العصب « 4 »
أي : في قوائم متجردات من اللحم ليس فيها إلا العظم والعصب والجلد . قال المبرد : « ومعنى قول الناس :
« محّص عنّا ذنوبنا » أي أذهب ما تعلّق بنا من الذنوب » . قال الواحدي : « وهذا الذي قاله المبرد تأويل المحص بفتح الحاء وهو واقع ، والمحص بسكون الحاء مصنوع ، قال الخليل : « يقال محصت الشيء أمحصه محصا إذا أخلصته من كلّ عيب » وفي جعله تسكين الحاء مصنوعا نظر ، لأنّ أهل اللغة نقلوه ساكنا ، وهو قياس مصدر الثلاثي . ومحصت السيف والسّنان : جلوتهما حتى ذهب صدؤهما . قال أسامة الهذلي :
1451 - وشقّوا بممحوص السّنان فؤاده * . . . « 5 »
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط 3 / 63 .
( 2 ) الزّئبر : ما يعلو الثوب الجديد ، مثل ما يعلو الخز . قال ابن سيده : الزّنبر والزّئبر : ما يظهر من درز الثوب .
اللسان : 1797 .
( 3 ) البيت لعبد اللّه بن معاوية انظر الكامل 1 / 183 ، اللسان ( محص ) .
( 4 ) البيت لأبي دؤاد الإيادي انظر ديوانه ( 285 ) .
( 5 ) انظر البيت في ديوان الهذليين 2 / 206 ، وهو صدر بيت وعجزه :. . . * لهم قترات قد بنين محائد