والرفع على القطع المشعر بالمدح .
قوله :
وَالْكاظِمِينَ
يجوز فيه الجرّ والنصب على ما تقدّم فيما قبله . والكظم : الحبس . كظم غيظه أي : حبسه وكظم القربة والسّقاء : إذا شدّ فمويهما مانعا من خروج ما فيهما ، ومنه : الكظام لسير تشدّ به القربة والسّقاء كذلك .
والكظم في الأصل : مخرج النفس ، يقال : أخذ بكظمه أي : مخرج نفسه . والكظوم : احتباس النّفس ، ويعبّر به عن السكون كقولهم : « فلان لا يتنفّس » . والمكظوم : الممتلىء غيظا وكأنه لغيظه لا يستطيع أن يتكلّم ولا يخرج نفسه ، والكظيم : الممتلىء أسفا ، قال أبو طالب :
1434 - فحضضت قومي واحتسبت قتالهم * والقوم من خوف المنايا كظّم « 1 »
وكظم البعير : إذا ترك الاجترار من ذلك ، ومنه قول الراعي :
1435 - وأفضن بعد كظومهنّ بجرّة * من ذي الأباطح إذ رعين حقيلا « 2 »
والحقيل : نبت ، وقيل : موضع ، فعلى الأول هو مفعول به وعلى الثاني هو ظرف ، ويكون قد شذّ عدم جرّه ب « في » لأنه ظرف مكان مختصّ ، ويكون المفعول محذوفا أي : إذ رعين الكلأ في حقيل ، ولا تقطع الإبل جرّتها إلا عند الفزع ، ومنه قول أعشى باهلة يصف رجلا يكثر نحر الإبل :
1436 - قد تكظم البزل منه حين تبصره * حتّى تقطّع في أجوافها الجرر « 3 »
والجرر جمع جرّة . والكظامة : حلقة من حديد تكون في طرف الميزان تجمع فيها خيوطه ، وهي أيضا السّير الذي يوصل بوتر القوس ، والكظائم : خروق بين اليدين يجري منها الماء إلى الأخرى ، كلّ ذلك تشبيها بمجرى النفس .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 135 ]
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 135 )
قوله تعالى :
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا :
يجوز أن يكون معطوفا على الموصول قبله ، ففيه ما فيه من الأوجه السابقة ، وتكون الجملة من قوله :
« وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ »
جملة اعتراض بين المتعاطفين ، ويجوز أن يكون
« وَالَّذِينَ »
مرفوعا بالابتداء ، و
« أُولئِكَ »
مبتدأ ثان ، و
« جَزاؤُهُمْ »
مبتدأ ثالث ، و
« مَغْفِرَةٌ »
خبر الثالث ، والثالث وخبره الثاني ، والثاني وخبره خبر الأول . وقوله :
« إِذا فَعَلُوا »
شرط جوابه
« ذَكَرُوا »
وقوله :
« فَاسْتَغْفَرُوا »
عطف على الجواب ، والجملة الشرطية وجوابها صلة الموصول ، والمفعول الأول لاستغفر محذوف ، أي : استغفروا اللّه لذنوبهم . وقد تقدّم الكلام على « استغفر » ، وأنه يتعدّى لاثنين ثانيهما بحرف الجر ، وليس هو هذه اللام بل
« مَنْ »
، وقد تحذف ، وقوله :
« وَمَنْ يَغْفِرُ »
استفهام معناه النفي ، ولذلك وقع بعده الاستثناء .
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط 3 / 56 .
( 2 ) انظر ديوانه ( 132 ) ، اللسان ( فيض ) .
( 3 ) انظر البيت في تفسير القرطبي 4 / 206 .