[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 122 إلى 123 ]
إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 122 ) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 123 )
قوله تعالى :
إِذْ هَمَّتْ
في هذا الظرف أوجه :
أحدها : أنه بدل من
« إِذْ غَدَوْتَ »
فالعامل فيه العامل في المبدل منه .
الثاني : أنه ظرف ل
« غَدَوْتَ »
.
الثالث : أنه ظرف ل
« تُبَوِّئُ »
وهذه الأوجه تحتاج إلى نقل تاريخي في اتحاد الزمانيين .
الرابع : أن الناصب له « عليم وحده ، ذكره أبو البقاء .
الخامس : أن العامل فيه : إمّا
« سَمِيعٌ »
وإما
« عَلِيمٌ »
على سبيل التنازع ، وتكون المسألة حينئذ من إعمال الثاني ، إذ لو أعمل الأول لأضمر في الثاني ، ولم يحذف منه شيئا كما قد عرفته غير مرة .
وقال الزمخشري : « أو عمل فيه معنى
« سَمِيعٌ عَلِيمٌ »
.
قال الشيخ « 1 » : « وهذا غير محرّر ؛ لأن العامل لا يكون مركبا من وصفين ، فتحريره أن يقال : عمل فيه معنى سميع أو عليم ، وتكون المسألة من التنازع » . قلت : لم يرد الزمخشري بذلك إلّا ما ذكرته من إرادة التنازع ، ويصدق أن يقول :
عمل فيه هذا وهذا بالمعنى المذكور لا أنهما عملا فيه معا ، على أنه لو قيل به لم يكن مبتدعا قولا ، إذ الفراء يرى ذلك ، ويقول في نحو : « ضربت وأكرمت زيدا » إنّ « زيدا » منصوب بهما وإنهما تسلّطا عليه معا ، ولتنقيح هذه المسألة موضوع غير هذا حرّرتها فيه بحمد اللّه تعالى .
والهمّ : العزم . وقيل : بل هو دونه ، وذلك أن أوّل ما يمر بقلب الإنسان يسمى خاطرا ، فإذا قوي سمّي حديث نفس ، فإذا قوي سمّي همّا ، فإذا قوي سمّي عزما ، ثم بعده إما قول أو فعل ، وبعضهم يعبّر عن الهمّ بالإرادة ، تقول العرب : هممت بكذا أهمّ به - بضم الهاء - ، ويقال : « همت » بميم واحدة ، حذفوا إحدى الميمين تخفيفا كما قالوا :
مست وظلت وحست في مسست وظللت وحسست ، وهو غير مقيس . والهمّ أيضا : الحزن الذي يذيب صاحبه وهو مأخوذ من قولهم : « هممت الشحم » أي : أذبته . والهمّ الذي في النفس قريب منه ؛ لأنه قد يؤثر في نفس الإنسان كما يؤثّر الحزن ، ولذلك قال الشاعر :
1427 - وهمّك ما لم تمضه لك منصب * . . . « 2 »
أي : إنك إذا هممت بشيء ولم تفعله ، وجال في نفسك فأنت في تعب منه حتى تقضيه .
قوله :
أَنْ تَفْشَلا
متعلق ب
« هَمَّتْ »
لأنه يتعدّى بالباء ، والأصل : بأن تفشلا ، فيجري في محل
« أَنْ »
الوجهان المشهوران . والفشل : الجبن والخور . وقال بعضهم : « الفشل في الرأي : العجز ، وفي البدن : الإعياء وعدم النهوض ، وفي الحرب الجبن والخور » والفعل منه « فشل » بكسر العين ، وتفاشل الماء إذا سال .
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط 3 / 46 .
( 2 ) لم نعثر عليه .