منك إعلام بذهاب زيد فاتّباع منا ، ليكن منا إعلام بأبيك فإكرام له منا ، وليكن منك تعريف بقدر مالك فمعرفة منا » وهذا البحث الطويل على تقدير شيء لم يقع ، فإنه لم يقرأ لا في الشاذ ولا في غيره إلا ثبات النون ، ولكن للعلماء غرض في تطويل البحث تنقيحا للذهن .
ووراء هذا قراءة مشكلة رووها عن عبيد بن عمير وهي : « لم تلبسوا وتكتموا » بحذف النون من الفعلين ، وهي قراءة لا تبعد عن الغلط البحت ، كأنه توهّم أنّ
« لِمَ »
الجازمة فجزم بها وقد نقل المفسرون عن بعض النحاة هنا أنهم يجزمون ب
« لِمَ »
حملا على لم ، نقل ذلك السجاوندي وغيره عنهم ؛ ولا أظنّ نحويا يقول ذلك البتة ، كيف يقول في جار ومجرور إنه يجزم ! ! هذا ما لا يتفوّه به البتة ولا يطيق سماعه ، فإن يثبت هذا قراءة ولا بدّ فليكن ممّا حذف فيه نون الرفع تخفيفا حيث لا مقتضى لحذفها ، ومن ذلك قراءة بعضهم : « قالوا ساحران تظّاهرا » « 1 » بتشديد الظاء ، الأصل :
تتظاهران ، فأدغم التاء في الظاء وحذف النون تخفيفا ، وفي الحديث : « والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا » « 2 » يريد عليه السّلام :
لا تدخلون ولا تؤمنون ، لاستحالة النهي معنى ، وقال الشاعر :
1335 - أبيت أسري وتبيتي تدلكي * وجهك بالعنبر والمسك الذّكي « 3 »
يريد : تبيتين وتدلكين ، ومثله قول أبي طالب :
1336 - فإن يك قوم سرّهم ما صنعتم * ستحتلبوها لاقحا غير باهل « 4 »
يريد : فستحتلبونها ، ولا يجوز أن يتوهّم في هذا البيت أن يكون حذف النون لأجل جواب الشرط ، لأنّ الفاء مرادة وجوبا ، لعدم صلاحية « ستحتلبوها » جوابا لاقترانه بحرف التنفيس .
قوله :
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
جملة حالية ، ومتعلّق العلم محذوف : إمّا اقتصارا وإمّا اختصارا ، أي : وأنتم تعلمون الحقّ من الباطل أو نبوّة محمد ونحو ذلك .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 72 ]
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 72 )
قوله تعالى :
وَجْهَ النَّهارِ :
منصوب على الظرف لأنه بمعنى أول النهار ، قال الربيع بن زياد العبسي :
هامش
( 1 ) سورة القصص ، آية ( 48 ) .
( 2 ) أخرجه مسلم 1 / 74 كتاب الإيمان ( 93 / 54 ) .
( 3 ) انظر البيت في المحتسب 2 / 22 ، الخصائص 1 / 388 ، الهمع 1 / 51 ، الدرر 1 / 27 ، رصف المباني ( 361 ) ، الخزانة 8 / 339 ، التصريح 1 / 111 ، اللسان ( دلك )
( 4 ) انظر البيت في البحر المحيط ( 2 / 492 ) ، شرح الكافية الشافية ( 1 / 211 ) ، واللقائح التي قبلت اللقاح من الإبل ، الباهل : يقال أبهل الناقة أي أهملها وتركها من الحلب ، والشاهد قوله : « ستحتلبوها » حيث حذف الفاء والنون للضرورة .