كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ »
لكونه فاصلة ، ولولا مراعاة ذلك لكانت المطابقة مطلوبة بينه وبين ما استدرك عنه في قوله :
« يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا »
فيتناسب النفيان .
قوله تعالى :
بِإِبْراهِيمَ :
متعلّق ب
« أَوْلَى »
، وأولى : أفعل تفضيل من الولي وهو القرب ، والمعنى : أن أقرب الناس به وأخصّهم ، فألفه منقلبة من ياء ، لكون فائه واوا . قال أبو البقاء : « إذ ليس في الكلام ما لامه وفاؤه واوان ، إلا « واو » يعني اسم حرف التهجي ، كالوسط من « قول » ، أو اسم حرف المعنى كواو النسق ، ولأهل التصريف خلاف في عينه : هل هي واو أيضا أو ياء ؟ وقد تعرّضت لها بدلائلها في « شرح التسهيل » .
و
لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ
خبر
« إِنَّ »
، و
« هذَا النَّبِيُّ »
نسق على الموصول ، وكذلك
« وَالَّذِينَ آمَنُوا »
، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنون رضي اللّه عنهم وإن كانوا داخلين فيمن اتّبع إبراهيم ، إلا أنّهم خصّوا بالذكر تشريفا وتكريما ، فهو من باب
وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
« 1 » .
وحكى الزمخشري أنه قرىء :
« وَهذَا النَّبِيُّ »
بالنصب والجر ، فالنصب نسق على مفعول
« اتَّبَعُوهُ »
فيكون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد اتّبعه غيره كما اتبع إبراهيم ، والتقدير : للذين اتبعوا إبراهيم وهذا النبيّ : ويكون قوله :
« وَالَّذِينَ آمَنُوا »
نسقا على قوله :
« لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ »
. والجر نسق على « إبراهيم » ، أي : إن أولى الناس بإبراهيم وبهذا النبي للذين اتبعوه ، وفيه نظر من حيث إنه كان ينبغي أن يثنّى الضمير في
« اتَّبَعُوهُ »
فيقال : اتبعوهما ، اللهم إلا أن يقال : هو من باب
وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ
« 2 » .
قوله تعالى :
وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ :
مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ
فيه وجهان :
أحدهما : أنها تبعيضية وهو الظاهر .
والثاني : أنها لبيان الجنس ، قاله ابن عطية ، ويعني أن المراد بطائفة جميع أهل الكتاب .
قال الشيخ « 3 » : « وهو بعيد من دلالة اللفظ » . وهذا الجارّ على القول بكونها تبعيضية في محلّ رفع صفة لطائفة ، وعلى القول بكونها بيانية يتعلّق بمحذوف ، و
« لَوْ »
تقدم أنه يجوز أن تكون مصدرية ، وأن تكون على بابها من كونها حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره .
وقال أبو مسلم الأصبهاني : « ودّ بمعنى تمنى ، فيستعمل معها
« لَوْ »
و « أن » وربما جمع بينهما ، فيقال : وددت أن لو فعلت ، ومصدره الودادة ، والاسم منه ودّ ، وبمعنى أحبّ فيتعدى أحب ، والمصدر : المودّة ، والاسم منه ودّ ، وقد يتداخلان في المصدر والاسم » . وقال الراغب : « إذا كان بمعنى « أحبّ » لا يجوز إدخال « لو » فيه أبدا » . وقال الرماني :
« إذا كان ودّ بمعنى تمنى صلح للحال والاستقبال ، وتجوز
« لَوْ »
، وإذا كان بمعنى الماضي لم تجز « أن » لأن « أن » للاستقبال » وفيه نظر ، لأنّ « أن » توصل بالماضي .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 71 ]
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 71 )
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 98 ) .
( 2 ) سورة التوبة ( 62 ) .
( 3 ) انظر البحر المحيط 2 / 489 .