قوله تعالى :
إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ :
في هذه اللام وجهان :
أحدهما : أنها زائدة مؤكدة كهي في قوله تعالى :
رَدِفَ لَكُمْ
« 1 » أي : ردفكم ، وقول الآخر :
1338 - فلمّا أن تواقفنا قليلا * أنخنا للكلاكل فارتمينا « 2 »
وقول الاخر :
1339 - ما كنت أخدع للخليل بخلّة * حتّى يكون لي الخليل خدوعا « 3 »
أي : أنخنا الكلاكل ، وأخدع الخليل ، ومثله :
1340 - يذمّون للدّنيا وهم يرضعونها * أفاويق حتّى ما يدرّ لها ثعل « 4 »
يريد : يذمّون الدنيا ، ويروى « بالدنيا » بالباء ، وأظن البيت : « يذمّون لي الدنيا » فاشتبه اللفظ على السامع ، وكان رأيته في بعض التفاسير ، وهذا ليس بقوي .
والثاني : أنّ « أمن » ضمّن معنى أقرّ واعترف ، فعدّي باللام أي : ولا تقرّوا ولا تعترفوا إلا لمن تبع دينكم ، ونحوه :
فَما آمَنَ لِمُوسى
« 5 »
وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا
« 6 » . وقال أبو علي : « وقد تعدّى « آمن » باللام في قوله :
فَما آمَنَ لِمُوسى
آمَنْتُمْ لَهُ
« 7 »
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ
« 8 » فذكر أنه يتعدّى بها من غير تضمين . والصواب ما قدّمته من التضمين ، وقد حقّقت هذا أول البقرة « 9 » .
وهذا استثناء مفرغ ، وقال أبو البقاء :
« إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ »
فيه وجهان :
أحدهما : أنه استثناء ممّا قبله ، والتقدير : ولا تقرّوا إلا لمن تبع » فعلى هذا اللام غير زائدة ، ويجوز أن تكون زائدة ، ويكون محمولا على المعنى أي : اجحدوا كلّ أحد إلّا من تبع .
والثاني : أنّ النية به التأخير والتقدير : ولا تصدّقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم ، فاللام على هذا زائدة ، و « من » في موضع نصب على الاستثناء من
« أَحَدٌ »
.
وقال الفارسي : « الإيمان لا يتعدّى إلى مفعولين فلا يتعلّق أيضا بجارّين ، وقد تعلّق بالجارّ المحذوف من قوله :
« أَنْ يُؤْتى »
فلا يتعلّق باللام في قوله :
« لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ »
إلا أن يحمل الإيمان على معناه ، فيتعدّى إلى مفعولين ، ويكون المعنى : « ولا تقرّوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم كما تقول : أقررت لزيد بألف ، فتكون اللام متعلقة بالمعنى ، ولا تكون زائدة على حدّ
رَدِفَ لَكُمْ
« 10 »
إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ .
قلت : فهذا تصريح من أبي علي بأنه ضمّن آمن معنى أقرّ .
هامش
( 1 ) سورة النمل ، آية ( 72 )
( 2 ) انظر البيت في المقرب ( 1 / 115 ) ، رصف المباني ( 116 )
( 3 ) انظر البيت في البحر المحيط 2 / 494 .
( 4 ) البيت لعبد اللّه بن همام السلولي انظر اللسان ( رضع ) ، إصلاح المنطق ( 213 ) .
( 5 ) سورة يونس ، آية ( 83 ) .
( 6 ) سورة يوسف ، آية ( 17 ) .
( 7 ) سورة طه ، آية ( 71 ) .
( 8 ) سورة التوبة ، آية ( 61 ) .
( 9 ) انظر آية رقم ( 3 ) .
( 10 ) انظر الكتاب 1 / 17 .