قال الشيخ « 1 » : « وجئتكم بآية من ربكم للتأسيس لا للتوكيد لقوله :
« قَدْ جِئْتُكُمْ »
، وتكون هذه الآية قوله :
« إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ »
لأنّ هذا القول شاهد على صحة رسالته ؛ إذ جميع الرسل كانوا عليه لم يختلفوا فيه ، وجعل هذا القول آية وعلامة لأنه رسول كسائر الرسل حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال ، قاله الزمخشري .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 51 إلى 52 ]
إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 51 ) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 52 )
وقرأ العامة :
إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ :
بكسر الهمزة على الإخبار المستأنف ، وهذا ظاهر على قولنا إنّ
« جِئْتُكُمْ »
تأكيد ، أمّا إذا جعلته تأسيسا وجعلت الآية هي قوله :
« إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ »
بالمعنى الذي ذكرته أولا فلا يصحّ الاستئناف ، بل يكون الكسر على إضمار القول وذلك القول بدل من الآية ، كأنّ التقدير : وجئتكم بآية من ربّكم قولي إنّ اللّه ، فقولي بدل من « آية » ، و « إنّ » وما في حيّزها معمولة لقولي ، ويكون قوله :
« فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ »
اعتراضا بين البدل والمبدل منه .
وقرىء « 2 » بفتح الهمزة وفيه أوجه :
أحدها : أنه بدل من « آية » كأنّ التقدير : وجئتكم بأنّ اللّه ربي وربكم ، أي : جئتكم بالتوحيد ، وقوله :
« فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ »
اعتراض أيضا .
الثاني : أنّ ذلك على إضمار لام العلة ، ولام العلة متعلقة بما بعدها من قوله : فاعبدوه » والتقدير : فاعبدوه لأنّ اللّه ربي وربّكم كقوله تعالى :
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ
« 2 » إلى أن قال :
« فَلْيَعْبُدُوا »
إذ التقدير : فليعبدوا لإيلاف قريش ، وهذا عند سيبويه « 3 » وأتباعه ممنوع ؛ لأنه متى كان المعمول أنّ وما في صلتها امتنع تقديمها على عاملها ، لا يجيزون : « أنّ زيدا منطلق عرفت » تريد : « عرفت أن زيدا منطلق » للقبح اللفظي ، إذ تصدّرها لفظا يقتضي كسرها .
الثالث : أن يكون « أن الله » على إسقاط الخافض وهو « على » و « على » يتعلّق بآية نفسها ، والتقدير : وجئتكم بآية على أن اللّه ، كأنه قيل : بعلامة ودلالة على توحيد اللّه تعالى ، قاله ابن عطية وعلى هذا فالجملتان الأمريّتان اعتراض أيضا وفيه بعد .
وقوله :
هذا صِراطٌ
هذا إشارة إلى التوحيد المدلول عليه بقوله :
« إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ »
أو إلى نفس
« إِنَّ اللَّهَ »
باعتبار هذا اللفظ هو الصراط المستقيم .
قوله تعالى :
مِنْهُمُ
فيه وجهان :
أحدهما : أن يتعلّق بأحسّ ، و « من » لابتداء الغاية ، أي : ابتداء الإحساس من جهتهم .
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 469 .
( 2 ) سورة قريش ، آية ( 1 ) .
( 3 ) انظر الكتاب 1 / 463 .