وقوله تعالى :
قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ :
قد تقدّم إعراب هذه الجمل في قصة زكريا « 1 » فلا معنى لإعادته إلّا أنّ هناك
« يَفْعَلُ ما يَشاءُ »
وهنا
« يَخْلُقُ »
قيل : لأنّ قصّتها أغرب من قصته ، وذلك أنه لم يعهد ولد من عذراء لم يمسّها بشر البتة ، بخلاف الولد بين الشيخ والعجوز فإنه مستبعد ، وقد يعهد مثله وإن كان قليلا ، فلذلك أتى بيخلق المقتضي الإيجاد والاختراع من غير إحالة على سبب ظاهر ، وإن كانت الأشياء كلّها بخلقه وإيجاده وإن كان لها أسباب ظاهرة .
والجملة من قوله :
وَلَمْ يَمْسَسْنِي
حالية . « والبشر في الأصل مصدر كالخلق ، ولذلك يستوي فيه » المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والمجموع ، تقول : هذه بشر ، وهذان بشر ، وهؤلاء بشر ، كقولك : هؤلاء خلق قيل :
« واشتقاقه من البشرة وهو ظاهر الجلد ، لأنه الذي من شأنه أن يظهر الفرح » والغمّ في بشرته . و
« يَكُونُ »
يحتمل التمام والنقصان ، وقد تقدّم تحريره ، وتقدّم أيضا اختلاف القراء في
« فَيَكُونُ »
« 2 » وما ذكر في توجيهه .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 48 ]
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ( 48 )
قوله تعالى :
وَيُعَلِّمُهُ :
قرأ نافع وعاصم :
« وَيُعَلِّمُهُ »
بياء الغيبة ، والباقون بنون المتكلم المعظّم نفسه ، وعلى كلتا القراءتين ففي محلّ هذه الجملة أوجه ، أحدها : أنها معطوفة على
« يُبَشِّرُكِ »
أي : إن اللّه يبشرك بكلمة ويعلّم ذلك المولود المعبّر عنه بالكلمة . الثاني : أنها معطوفة على
« يَخْلُقُ »
أي : كذلك اللّه يخلق ما يشاء ويعلمه ، وإلى هذين الوجهين ذهب جماعة منهم الزمخشري وأبو عليّ الفارسي . وهذان الوجهان ظاهران على قراءة الباء . وأمّا قراءة النون فلا يظهر هذان الوجهان عليها إلا بتأويل الالتفات من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم إيذانا بالفخامة والتعظيم . فأمّا عطفه على « يبشّرك فقد استبعده الشيخ « 3 » جدا قال : « لطول الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه » وأمّا عطفه على
« يَخْلُقُ »
.
فقال الشيخ « 4 » وهو معطوف عليه سواء كانت - يعني يخلق - خبرا عن اللّه تعالى أم تفسيرا لما قبلها ، إذا أعربت لفظ
« اللَّهُ »
مبتدأ ، وما قبله الخبر » يعني أنه قد تقدّم في إعراب
« كَذلِكَ اللَّهُ »
« 5 » في قصة زكريا أوجه :
أحدها : ما ذكر ، ف
« يُعَلِّمُهُ »
معطوف على
« يَخْلُقُ »
بالاعتبارين المذكورين ، إذ لا مانع من ذلك . وعلى هذا الذي ذكره الشيخ وغيره تكون الجملة الشرطية معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه ، والجملة من
« يُعَلِّمُهُ »
في الوجهين المتقدّمين مرفوعة المحلّ لرفع محلّ ما عطفت عليه .
الثالث : أن يعطف على
« يُكَلِّمُ »
فيكون منصوبا على الحال ، والتقدير : يبشّرك بكلمة مكلّما ومعلّما الكتاب ، وهذا الوجه جوّزه ابن عطية وغيره .
الرابع : أن يكون معطوفا على
« وَجِيهاً »
لأنه في تأويل اسم منصوب على الحال ، كما تقدّم تقريره في قوله :
« وَيُكَلِّمُ »
. وهذا الوجه جوّزه الزمخشري . واستبعد الشيخ « 6 » هذين الوجهين الأخيرين - أعني الثالث والرابع - قال :
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، آية ( 40 ) .
( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 117 ) .
( 3 ) انظر البحر المحيط 2 / 463 .
( 4 ) انظر البحر المحيط 2 / 463 .
( 5 ) سورة آل عمران ، آية ( 40 ) .
( 6 ) انظر البحر المحيط 2 / 463 .