وكثيرا ما ذكر اللّه في كتابه الحض على التفكر في مخلوقاته تعالى وقال : ماذا في السماوات والأرض ، تنبيها على القاعدة الكلية . والعاقل يتنبّه لتفاصيلها وأقسامها ، ثم لما أمر اللّه تعالى بالنظر أخبر أنه من لا يؤمن لا تغنيه الآيات .
والنذر : جمع نذير ، أما مصدر فمعناه الإنذارات ، وأما بمعنى منذر ، فمعناه المنذرون والرسل .
وما : الظاهر أنها للنفي ويجوز أن تكون استفهاما ، أي وأيّ شئ تغني الآيات وهي الدلائل وهو استفهام على جهة التقرير . قال ابن عطية : ويحتمل أن تكون ما في قوله : وما تغني مفعوله لقوله : انظروا ، معطوفة على قوله : ماذا ، أي تأملوا قدر غنى الآيات والنذر عن الكفار إذا قبلوا ذلك كفعل قوم يونس فإنه يرفع العذاب في الدنيا والآخرة ، وينجي من المهلكات فالآية على هذا تحريض على الإيمان .
ويجوز اللفظ على هذا التأويل إنما هو قوله : لا يؤمنون . « انتهى » . هذا احتمال فيه ضعف . وفي قوله : مفعولة معطوفة على ماذا تجوز ، يعني أن الجملة الاستفهامية التي هي ماذا في السماوات في موضع المفعول ، لا ان ماذا وحده منصوب بانظروا ، فتكون « ماذا » موصولة . و « انظروا » بصرية ، لما تقدم .
وفي الآية توبيخ لحاضري رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المشركين .
ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا
لما تقدم قوله : فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم وكان ذلك مشعرا بما حل بالأمم الماضية المكذبة ومصرحا بهلاكهم في غير ما آية ، أخبر تعالى عن حكاية حالهم الماضية فقال : ثم ننجي رسلنا ، والمعنى ان الذين خلوا أهلكناهم لما كذبوا الرسل ، ثم نجينا الرسل والمؤمنين .
والظاهر أن كذلك في موضع نصب تقديره مثل ذلك الإنجاء الذي نجينا الرسل ومؤمنيهم ننجي من آمن بك يا محمد ، ويكون « حقا » على تقدير حق ذلك حقا .
[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 104 إلى 109 ]
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 104 ) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 105 ) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ ( 106 ) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 107 ) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ( 108 )
وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ( 109 )