تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
أي علم الإنسان بواسطة القلم أو علمه الكتابة بالقلم . يروى أن سليمان عليه السلام سأل عفريتا عن الكلام فقال : ريح لا يبقى . قال : فما قيده ؟ قال : الكتابة فإن القلم صياد يصيد العلوم يبكي تارة ويضحك بركوعه يسجد الأنام وبحركته تبقى العلوم على ممر الليالي والأيام ، وقوله
عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
يجوز أن يكون بيانا للأول أي علمه بالقلم كقول القائل « أحسنت إليك ملكتك الأموال وليتك الولايات . » ويحتمل أن يراد علم بالقلم وعلمه أيضا غير ذلك . وفي الآية إشارة إلى إثبات العلوم السمعية الموقوفة على النقل والكتابة بل إلى إثبات النبوة كما أن أول السورة يدل على الأوصاف الإلهية . قوله سبحانه
كَلَّا
ذكر بعض العلماء أنه بمعنى حقا لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يتوجه إليه الردع . وقال صاحب الكشاف : إنه ردع لمن كفر بنعمة اللّه عليه وطغى وهذا معلوم من سياق الكلام وإن لم يذكر . وقال مقاتل : كلا لا يعلم الإنسان أنه خلق من علقة وصار عالما بعد أن كان جاهلا وذلك لاستغراقه في حب المال والجاه فلا يتأمل في هذه الأحوال . ومعنى
أَنْ رَآهُ
لأن رأى نفسه فحذف حرف الجر على القياس ، وحذف النفس لخاصية فعل القلب وهي جواز الجمع بين ضميري الفاعل والمفعول فيه . وأكثر المفسرين على أن المراد بالإنسان هاهنا إنسان واحد هو أبو جهل . ومنهم من يقول : خمس آيات من أول هذه السورة نزلت أولا ثم نزل باقيها في أبي جهل بعد ذلك بزمان فضم إليها . وقيل : نزلت فيه من قوله
أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى
إلى آخر السورة والإنسان عام فإن قيل : لم قال في حق فرعون
إِنَّهُ طَغى
[ النازعات : 17 ] وفي حق أبي جهل
لَيَطْغى
قلنا : إنما أخبر بذلك عن فرعون قبل أن يلقاه موسى وقبل أن يعرض عليه الأدلة ، وأما هذه الآية فنزلت تسلية للنبي صلى اللّه عليه وسلم حين رد أبو جهل عليه أقبح الرد . وأيضا إن فرعون مع كمال سلطنته ما كان يؤذي موسى إلا بالقول وأبو جهل مع قلة جاهه كان يقصد قتل النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وفرعون كان قد أحسن إلى موسى أولا وقال آخرا
آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ
[ يونس : 9 ] وأما أبو جهل فكان يحسد النبي صلى اللّه عليه وسلم في صباه وقال في آخر عمره : بلغوا عني محمدا أني أموت ولا أجد أبغض إليّ منه . وأيضا إنهما وإن كانا رسولين لكن الحبيب في مقابلة الكليم كاليد في مقابلة العين ، والعاقل يصون عينه فوق ما يصون يده بل يصون عينه باليد فلهذا كانت المبالغة هاهنا أكثر . واعلم أن المال ليس سببا للطغيان على الإطلاق ولهذا ذهب جم غفير إلى أن الإنسان في الآية مخصوص وكيف لا وإنه لم يزد سليمان عليه السلام إلا تواضعا وعبودية . روي أنه كان يجالس المساكين ويقول : مسكين جالس مسكينا . وكان عبد الرحمن بن عوف من كبار الصحابة كثير المال ، وقال صلى اللّه عليه وسلم « نعم المال الصالح للرجل