تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 603

مساهمون:

ص٦٠٣
مفعول لهما فكانت الهبة رحمة له وتذكيرا لذوي العقول حتى لو ابتلوا بما ابتلي به صبروا كما صبر فيفوزوا كما فاز . وإنما لم يقل هاهنا
رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا
[ الأنبياء : 84 ] مع أنه أبلغ اكتفاء بما مر في سورة الأنبياء وفي قوله
وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ
مع قوله في « الأنبياء »
وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ
[ الآية : 84 ] إشارة إلى أن ذا اللب هو الذي يعبد اللّه . وتخصص كل من السورتين بما خص لرعاية الفاصلة قوله
وَخُذْ
معطوف على
ارْكُضْ
والضغث الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو سنبلة . قال مجاهد : هو لأيوب خاصة . وعن قتادة : هو عام في هذه الأمة . والصحيح أنه باق في المريض والمعذور لما روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أتى بمخدج وقد زنى بأمة فقال : خذوا عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة حلل اللّه يمين أيوب بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها . ومعنى
وَجَدْناهُ صابِراً
علمنا منه الصبر . وهاهنا نكتة ذكرها بعض أرباب القلوب وهي أنه لما نزل في حق سليمان
نِعْمَ الْعَبْدُ
تارة وفي حق أيوب أخرى ، اغتم أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم وقالوا : هذا تشريف عظيم فإن كان سببه اتفاق مملكة مثل مملكة سليمان فنحن لا نقدر عليه ، وإن كان سببه تحمل بلاء مثل بلاء أيوب فنحن لا نطيقه ، فكيف السبيل إلى تحصيله ؟ فأنزل اللّه تعالى قوله
فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
[ الحج : 78 ] والمراد أنك إن لم تكن نعم العبد فأنا نعم المولى ، فإن كان منك الفضول فمني الفضل ، وإن كان منك التقصير فمني النصرة والتوفيق . قلت : وصف أنبياء سائر الأمم بقوله
نِعْمَ الْعَبْدُ
ووصف هذه الأمة بقوله
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
[ آل عمران : 110 ] فلا تشريف فوق هذا ثم أجمل ذكر طائفة من مشاهير الأنبياء . ومعنى
أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ
أولي العمل والعلم لأن اليد آلة لأكثر الأعمال ، والبصر آلة لأقوى الإدراكات ، فحسن التعبير عن العمل باليد ، وعن الإدراك بالبصر ، وفيه تعريض بأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ولا يتفكرون أفكار ذوي العقول والعرفان فهم في حكم الزمنى والعميان ، ولولا قرينة الأبصار لكان يحتمل أن الأيدي جمع اليد النعمة . قوله
أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ
الخالصة صفة أو مصدر كالعاقبة ، والدار ظرف فهي الدنيا ، أو مفعول به فهي الآخرة . والمعنى جعلناهم خالصين لنا بسبب خصلة خالصة لا شوب فيها وهي ذكراهم الجنة بحيث لا يشوبون ذكرها بشيء من هموم الدنيا ، أو هي تذكيرهم الآخرة وترغيبهم فيها ، أو بسبب خلوص ذكرى الجنة ، أو بما خلص من ذكراها ، أو جعلناهم مختصين بخلة صافية عن المنقصات وهي الثناء الحسن في الدنيا ولسان الصدق الذي ليس لغيرهم . و
الْمُصْطَفَيْنَ
جمع مصطفى وأصله مصطفيين لأنه في حالة الجر بالياء قلبت الياء