تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
نسق . الفاعل صاف ، والجماعة صافة ، والصافات جمع الجمع ولولا ذلك لقيل والصافين . قال الحكيم : يشبه أن يكون معنى كونهم صفوفا أن لكل منهم مرتبة معينة في الشرف أو بالغلبة . والزجر سوق السحاب . قال ابن عباس : يعني الملائكة الموكلين بالسحاب . وقال آخرون : أراد زجرهم الناس عن المعاصي بالخواطر والإلهامات ، أو بدفع تعرض الشياطين عن بني آدم . والتاليات الذين يتلون كتاب اللّه على الأنبياء . والحاصل أن كونهم صافين إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة في ذواتها أعني وقوفهم في مواقف العبودية والطاعة ، وكونهم زاجرين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إزالة ما لا ينبغي من جواهر الأرواح البشرية ، وكونهم تالين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إفاضة الجلايا القدسية والأنوار الإلهية على الأرواح الإنسانية . الوجه الثاني أنها صفات النفوس الإنسانية المقبلة على عبودية اللّه وعبادته وهم ملائكة الأرض ، أقسم بنفوس المصلين بالجماعات الزاجرين أنفسهم عن الشهوات أو عن إلقاء وساوس الشيطان في قلوبهم أثناء الصلوات بتقديم الاستعاذة أو برفع الأصوات ، التالين للقرآن في الصلاة وغيرها . أو أقسم بنفوس العلماء الصافات لأجل الدعوة إلى دين اللّه الزاجرات عن الشبهات والمنهيات بالمواعظ والنصائح الدارسات شرائع اللّه وكتبه لوجه اللّه ، أو أقسم بنفوس المجاهدين في سبيل اللّه كقوله
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا
[ الصف : 3 ] والزجرة والصيحة سواء . والمراد رفع الصوت بزجر الخيل . وأما التاليات فذلك أنهم يشتغلون وقت المحاربة بقراءة القرآن وذكر اللّه . يحكى عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه كان يخرج من الصف وسيفه ينطف دما فإذا رقى ربوة يأتي بالخطبة الغراء . الوجه الثالث أنها صفات آيات القرآن وذلك أنها أنواع مختلفة بعضها دلائل التوحيد ، وبعضها دلائل العلم والقدرة ، وبعضها دلائل النبوة ، وبعضها دلائل المعاد ، وبعضها بيان التكاليف والأحكام ، وبعضها تعليم الأخلاق الفاضلة ، وكلها مترتبة ترتيبا لا يتغير ولا يتبدل فكأنها أجرام واقفة في صفوف معينة ، ولا ريب أنها تزجر المكلفين عن المناهي والمنكرات . وأما نسبة التلاوة إليهن فمجاز كما يقال : شعر شاعر . والفاء في هذه الوجوه لترتب الصفات في الفضل فالفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة أو بالعكس فلكل وجه . ويحتمل وإن لم يذكره جار اللّه أن تكون لترتيب معانيها في الوجود كقوله : الصابح فالغانم فالآئب كأنه قال : الذي صبح فغنم فآب . مثاله المصلون يقفون أوّلا صفوفا ثم يزجرون الوساوس عنهم بالاستعاذة ثم يشتغلون بالقراءة .