حفظا . قال المفسرون : الشياطين كانوا يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة وعرفوا به ما سيكون من الغيوب فأخبروا ضعفاءهم ، فجعل اللّه الكواكب في زمن محمد صلى اللّه عليه وسلم بحيث تحرقهم وتحفظ أهل السماء من إصغائهم . قال الحكيم : ليس المراد بالكواكب الحافظة أنفس الكواكب المركوزة في الأفلاك وإلا لوقع نقصان ظاهر في أعدادها ، بل المراد ما يضاهيها من الشهب الحادثة عند كرة النار من الأبخرة المرتفعة ، وقد مر تحقيق ذلك في أول سورة الحجر . قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه اللّه : إن الشياطين لهم حذق كامل في استخراج الصنائع الدقيقة فإذا عرفوا هذه الحالة بالتجربة فلم لا يمنعون منه . وأيضا إنهم مخلوقون من النار والنار كيف تؤثر في النار ؟ وأيضا مقر الملائكة السطح الظاهر من الفلك الأعلى وإنهم لا يصعدون إلا إلى قريب من الفلك الأدنى فكيف يسمعون كلام الملائكة ؟ والجواب أنا لا نسلم حذقهم في كل الأمور ولهذا جاء في وجوه تسخيرهم ما جاء على أن موضع الاستراق والاحتراق غير متعين ، ووقوع هذه الحالة أيضا كالنادر .
فلعل المسترق يكون غير واقف عليه ، والنيران بعضها أقوى من البعض وليس الشيطان نارا صرفا ، ولكن الناري غالب عليه . ولا نسلم أن الملائكة لا ينزلون إلى الفلك الأخير بإذن اللّه . والمارد الخارج من الطاعة وقد مر اشتقاقه في قوله مردوا على النفاق .
والضمير في قوله
لا يَسَّمَّعُونَ
لكل شيطان لأنه في معنى الجمع . والتسمع تكلف السماع سمع أو لم يسمع وقد ضمن معنى الإصغاء فلذلك عدّي بإلى . وقيل : معنى سمعت إليه صرفت إلى جهته سمعي . قال جار اللّه : هذه الجملة لا يصح أن تكون صفة لأن الحفظ من شياطين غير سامعين أو مستمعين لا معنى له ، ولا يصح أن يكون استئنافا لأن سائلا لو سأل : لم يحفظ من الشياطين ؟ فأجيب بأنهم لا يسمعون . لم يستقم فبقي أن يكون كلاما منقطعا مبتدأ به لاقتصاص حال المسترقة للسمع . قلت : لو كان صفة باعتبار ما يؤول إليه حالهم جاز ، وكذا إن كان مستأنفا كأنه قيل : لم يحفظ فأجيب لأنهم يؤلون إلى كذا . ومن هنا زعم بعضهم أن أصله لئلا يسمعوا لهم فحذفت اللام ثم « أن » وأهدر عملها كما في قول القائل :
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ورد عليه في الكشاف أن حذف اللام في قولك « جئتك أن تكرمني » وحذف « أن » في قول الشاعر جائز ، فأما اجتماعهما فمنكر من المنكرات . قلت : إن القرآن حجة على غيره مع أن قول الشاعر أيضا لا يصح إلا بتقدير اللام أو « من » مع « أن » . والملأ الأعلى الملائكة