تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
أصحاب اليمين فكيف يتركه اللّه الكريم في أصحاب الشمال ؟ وتفسير الفحشاء والمنكر مذكور مرارا ، وقال أهل التحقيق : الفحشاء التعطيل وهو إنكار وجود الصانع ، والمنكر الإشراك به وهو إثبات إله غير اللّه وذلك أن وجود الواجب الواحد أظهر من الشمس وإنكار الظاهر منكر ظاهر . واعلم أن الصلاة لها هيئة فأولها وقوف بين يدي اللّه كوقوف العبد بين يدي السلطان ، وآخرها جثو بين يدي اللّه كما يجثو أهل الإخلاص بين يدي السلطان . وإذا جثا في الدنيا هكذا لم يجث في الآخرة كما قال
وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
[ مريم : 72 ] فالمصلي إذا قال « اللّه » نفى التعطيل وإذا قال « أكبر » نفى الشرك لأن الشريك لا يكون أكبر من الشريك الآخر فيما فيه الاشتراك ، وإذا قال
بِسْمِ اللَّهِ
نفى التعطيل ، وإذا قال
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
نفى الإشراك لأن الرحمن هو المعطي للوجود بالخلق والرحيم هو المفيض للبقاء بالرزق ، وهكذا
الْحَمْدُ لِلَّهِ
خلاف التعطيل ، وقوله
رَبِّ الْعالَمِينَ
خلاف التشريك وفي قوله
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
نفى التعطيل والإشراك من حيث إفادة التقديم الاختصاص بالعبادة ، وكذا قوله
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
وفي قوله
اهْدِنَا الصِّراطَ
نفي التعطيل لأن المعطل لا مقصد له . وفي قوله
الْمُسْتَقِيمَ
نفى الإشراك لأن المستقيم أقرب الطرق وهو أحد ، والمشرك يزيد في الطريق بتحصيل الوسائط . وعلى هذا إلى آخر الصلاة وهو قوله في التشهد « أشهد أن لا إله إلا اللّه » نفى التعطيل والإشراك ، فأول الصلاة « اللّه » وآخرها « اللّه » . ثم إن اللّه سبحانه كأنه قال للعبد : أنت إنما وصلت إلى هذه المنزلة الرفيعة بهداية محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فقل بعد ذكري : أشهد أن محمدا رسول اللّه ، واذكر إحسانه بالصلاة عليه . ثم إذا رجعت من معراجك وانتهيت إلى إخوانك فسلم عليهم وبلغهم سلامي كما هو دأب المسافرين
وَلَذِكْرُ اللَّهِ
أي الصلاة
أَكْبَرُ
من غيرها من الطاعات . وفي تسمية الصلاة بالذكر إشارة إلى أن شرف الصلاة بالذكر . وجوز في الكشاف أن يراد ولذكر اللّه عند الفحشاء والمنكر وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما أكبر فكان أولى بأن ينهى من اللطف الذي في الصلاة . وعن ابن عباس : ولذكر اللّه إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بالطاعة .
وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ
من الأعمال فيثيبكم أو يعاقبكم على حسب ذلك . وحين بين طريقة إرشاد المسلمين ونفع من انتفع واليأس ممن امتنع ، أراد أن يبين طريقة إرشاد أهل الكتاب وهي مجادلتهم بالخصلة التي هي أحسن ، يعني مقابلة الخشونة باللين والغضب بالحلم والعجلة بالتأني . قال بعض المفسرين : أراد لا تجادلهم بالسيف وإن لم يؤمنوا إلا إذا ظلموا فنبذوا الذمة أو منعوا الجزية . وقيل : إلّا الذين أشركوا منهم بإثبات الولد للّه والقول بثالث ثلاثة وقيل : إلا الذين آذوا رسول اللّه . والتحقيق أن أكثر أهل الكتاب جاءوا بكل حسن إلا الاعتراف بمحمد صلى اللّه عليه وسلم فوحدوا وآمنوا بإنزال الكتب وإرسال الرسل