والمبدأ والمعاد ، فلمقابلة إحسانهم يجادلون أولا بالأحسن ، ولا تستهجن آراؤهم ولا ينسب إلى الضلال آباؤهم بل يقال لهم
آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا
إلى آخر الآية .
وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم « ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا باللّه وكتبه ورسله ، فإن كان باطلا لم تصدقوهم ، وإن كان حقا لم تكذبوهم » « 1 »
ثم ذكر دليلا قياسيا فقال
وَكَذلِكَ
يعني كما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا عليك وقال جار اللّه : هو تحقيق لقوله
آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا
أي ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مصدقا لسائر الكتب السماوية .
فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ
هم عبد اللّه بن سلام وأضرابه
وَمِنْ هؤُلاءِ
أي من أهل مكة أو الأولون هم الأقدمون من أهل الكتاب ، والآخرون هم المعاصرون منهم للنبي صلى اللّه عليه وسلم وقيل : الأولون هم الأنبياء لأن كلهم آمنوا بكلهم ومن هؤلاء هم أهل الكتاب
وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا
مع وضوحها إلا المصرون على الكفر المتوغلون فيه نحو كعب بن الأشرف وأصحابه . واعلم أن المجادل إذا ذكر مسألة خلافية كقوله : الزكاة تجب في مال الصغير . فإذا قيل له : لم ؟ قال : كما تجب النفقة في ماله ولا يذكر الجامع بينهما . فإن فهم الجامع من نفسه فذاك ، وإلا قيل له : لأن كليهما مال فضل عن الحاجة . فاللّه سبحانه ذكر أولا التمسك بقوله
وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا
ثم ذكر الجامع بقوله
وَما كُنْتَ تَتْلُوا
الآية . وفي قوله
بِيَمِينِكَ
زيادة تصوير لما نفى عنه من كونه كاتبا . ومعنى
إِذاً لَارْتابَ
لو كان شيء من ذلك أي من التلاوة والخط لارتاب
الْمُبْطِلُونَ
من أهل الكتاب ، وارتاب الذين من شأنهم الركون إلى الأباطيل ، لأن النبي إذا كان قارئا كاتبا أمكن أن يسبق إلى الوهم أن الكلام كلامه لا كلام اللّه ، وإذا كان أميا فلا مجال لهذا الوهم . أو المراد أن سائر الأنبياء لم يكونوا أميين ووجب الإيمان بهم لمكان معجزتهم فهبوا أنه قارئ كاتب أليس صاحب آيات ومعجزات فإذا هم مبطلون على كل حال . ثم أكد إزالة ريبهم بقوله
بَلْ هُوَ
يعني القرآن
آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
وهو الحفاظ والقراء وسائر الكتب السماوية ، ما كانت تقرأ إلا من القراطيس ولهذا جاء في صفة هذه الأمة « صدورهم أناجيلهم »
وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا
الباهرة النيرة إلا المتوغلون في الظلم . سماهم أولا كافرين لأجل مجرد الجحود ، ثم بعد بيان المعجزة سماهم ظالمين لأن الكفر إذا انضم معه الظلم كان أشنع . ويجوز أن يراد بالظلم الشرك كأنهم بغلوهم في الجحود ألحقوا بأهل الشرك حكما أو حقيقة . ولما بين الدليل من جانب النبي صلى اللّه عليه وسلم ذكر شبهتهم وهي الفرق بين المقيس والمقيس عليه ، وذلك أن موسى أوتي تسع آيات علم بها كون الكتاب من عند اللّه وأنت ما أوتيت شيئا منها فأرشد اللّه نبيه إلى الجواب
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب الشهادات باب 29 . كتاب تفسير سورة 2 باب 11 . أبو داود في كتاب العلم باب 2 . أحمد في مسنده ( 4 / 136 ) .