تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
وهو أن يقول
إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ
ووجهه أنه ليس من شرط الرسالة إظهار المعجزة وإنما المعجزة بعد التوقف في الرسالة ، ولهذا علم وجود رسل كشيث وإدريس وشعيب ، ولم يعلم لهم معجزة وكان في بني إسرائيل أنبياء لم تعرف نبوتهم إلا بقول موسى أو غيره ، فليس على النبي إلا النذارة . وأما إنزال الآية فإلى رحمة اللّه إذا شاء تخليص القوم من تصديق المتنبئ وتكذيب النبي . ثم قال
أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ
الآية . والمعنى هبوا أن إنزال الآية شرط أليس القرآن المتلو الذي أخرس شقاشق فصحائهم كافيا في بيان الإعجاز ؟
إِنَّ فِي ذلِكَ
المتلو على وجه الأرضين
لَرَحْمَةً
من اللّه على الخلق وإلا اشتبه عليهم النبي بالمتنبئ
وَذِكْرى
ليتعظ بها الناس ما بقي الزمان . وإنما كانت هذه الرحمة من اللّه على الخلق والتذكرة مختصة بالمؤمنين ، لأن المعجزة للكافرين سبب لمزيد الإنكار المستلزم لإلزام الحجة والخلود في النار ، ثم ختم الدلائل بأن أمر نبيه صلى اللّه عليه وسلم بكلام منصف وهو قوله
كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً
وقال في آخر سورة الرعد
قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ
[ الآية : 43 ] لأن الكلام هناك مع المشركين فاستشهد عليهم بأهل الكتاب أيضا وأما هنا فالكلام مع أهل الكتاب فاقتصر على شهادة اللّه ، ثم بين كون شهادة اللّه كافية بقوله
يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
ثم هددهم بقوله
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ
وهما متلازمان لأن الإيمان بما سوى اللّه وهو الباطل الهالك الزائل الزاهق كفر باللّه وجحود بحقه .
أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
لا يستحق لهذا الاسم في الحقيقة غيرهم إذ لا غبن أفحش من اشتراء الباطل بالحق والكفر بالإيمان وإضاعة العمر في عبادة ما لا ينفعهم بل يضرهم قيل : إن ناسا من المسلمين أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بكتف قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود ، فلما نظر إليها ألقاها وقال : كفى بها حماقة قوم أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم فنزلت
أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ
الآية . ويروى أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا : يا محمد من يشهد لك بأنك رسول اللّه ؟ فنزلت
قُلْ كَفى
الآية . فعلى هذا فالآية نازلة في المشركين ، وعلى ما مر فهل يتناول أهل الكتاب ؟ قالوا : نعم ، لأنه صح عندهم معجزة محمد صلى اللّه عليه وسلم وقطعوا بأنها ليست من عند اللّه بل من تلقاء محمد صلى اللّه عليه وسلم فيلزمهم أن يقولوا : إن محمدا هو اللّه فيكون إيمانا بالباطل وكفرا باللّه . قلت : ولعل وجه التناول هو أنهم آمنوا بالمحرف من التوراة وعبدوا العجل واللّه أعلم . ثم إن النضر بن الحرث وغيره من كفار قريش كانوا يستعجلون بالعذاب كما مر استهزاء منهم وتكذيبا فنزلت
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى
هو الموت أو يوم بدر أو ما كتب في اللوح أنه لا يعذب هذه الأمة عذاب الاستئصال إلى يوم القيامة . وقوله
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
تأكيد للبغتة ، أو هو كلام مستقل أي إنهم لا يشعرون هذا الأمر ويظنون أن العذاب لا يأتيهم أصلا .
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 392 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات