الإجماع على أن واجب العبادة مقدم على واجب النكاح ، فكذا مندوبها على مندوبه لاتحاد السبب .
وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم « إذا أتى على أمتي مائة وثمانون سنة فقد حلت لهم العزبة والعزلة والترهب على رؤوس الجبال »
وعنه صلى اللّه عليه وسلم « يأتي على الناس زمان لا تنال المعيشة فيه إلا بالمعصية فإذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة »
حجة أبي حنيفة أن النكاح يتضمن صون النفس من ضرر الزنا ودفع الضرر أهم من جلب النفع . وأيضا النكاح يتضمن العدل .
وقد ورد في الحديث « لعدل ساعة خير من عبادة ستين سنة » وقال صلى اللّه عليه وسلم « النكاح سنتي » « 1 »
وقال في الصلاة « إنها خير موضوع فمن شاء فليستكثر ومن شاء فليستقلل »
ثم إن الأيامى جمع مستغرق لكنهم أجمعوا على أنه لا بد من شروط ذكرنا بعضها في سورة النساء في قوله
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
[ النساء : 24 ] ومعنى
مِنْكُمْ
أي من حرائركم قاله كثير من المفسرين لأن حكم العبيد والإماء يعقب ذلك . ومنهم من قال : أراد من يكون تحت ولاية المأمور من الولد والقريب . ومنهم من قال : الإضافة لا تفيد الحرية والإسلام .
ثم أمر السادة أن يزوجوا أرقاءهم الصالحين . واتفقوا على أنه للإباحة والترغيب لأن في تزويج العبد التزام مئونة زوجته وتعطل خدمته واستفادة المهر وسقوط النفقة في تزويج الأمة ليس قبوله بلازم على السيد أيضا ، وتخصيص الصالحين بالذكر عناية من اللّه بحالهم ليتحصن دينهم ويتحفظ عليهم صلاحهم . وأيضا الصالحون من الأرقاء هم الذين يشفق عليهم مواليهم ويهتمون بشأنهم حتى ينزلوهم منزلة الأولاد . ويجوز أن يراد بالصلاح القيام بحقوق النكاح ، ومن جملة ذلك أن لا يكون في غاية الصغر بحيث لا يحتاج إلى النكاح .
وإذن السيد لهم أن يزوجوا أنفسهم ينوب عن تزويج السيد . أما قوله
إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ
فالأصح أن هذا ليس وعدا من اللّه تعالى بإغناء من يتزوج حتى لا يجوز أن يقع فيه خلف ، فرب غني يفقره النكاح ولكن المعنى لا تنظروا إلى فقر من يخطب إليكم ففي فضل اللّه ما يغنيهم والمال غاد ورائح . على أن مثل هذا الوعد قد جاء مشروطا بالمشيئة في قوله
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ
[ التوبة : 28 ] فالمطلق محمول على المقيد .
وقيل : أراد بالغنى نفس العفاف بتملك البضع الذي يغنيه عن الوقوع في الزنا . وعن طائفة من الصحابة أن هذا وعد . وعن أبي بكر قال : أطيعوا اللّه فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى . وعن ابن عباس : التمسوا الرزق بالنكاح .
وشكا رجل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الحاجة فقال : عليك بالباءة .
وقد يستدل بالآية على أن العبد والأمة يملكان وإلا لم
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة في كتاب النكاح باب 1 .