تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 470

مساهمون:

ص٤٧٠
أمنع من كونه غير مستجاب الدعوة . وأجيب بأن عدم ترتب الغرض من طلب الولد لا يوجب الكذب . وأقول : الاعتراض باق لأن المعنى يؤول إلى قولنا « هب لي وليا موصوفا بالوراثة » أو بأن الغرض منه الوراثة ، أوهب لي وليا أخبر عنه بأنه يرثني . وعلى التقادير يلزم عدم الاستجابة أو الكذب . والحق في الجواب هو ما سلف لنا في قصة زكريا من سورة آل عمران ، أن النبي لا يطلب في الدعاء إلا الأصلح حتى لو كان الأصلح غير ما طلبه فصرفه اللّه تعالى عنه كان المصروف إليه هو بالحقيقة مطلوبه . ويمكن أن يقال : لعل الوراثة قد تحققت من يحيى وإن قتل قبل زكريا ، وذلك بأن يكون قد تلقى منه كتاب أو شرع هو المقصود من وجود يحيى وبقي ذلك الكتاب أو الشرع معمولا به بعد زكريا أيضا إلى حين . وقد روى صاحب الكشاف هاهنا قراءات شاذة لا فائدة كثيرة في تعدادها إلى قوله عن علي وجماعة وأرث من آل يعقوب أي يرثني به وارث ويسمى التجريد في علم البيان . فقيل : هو أن تجرد الكلام عن ذكر الأول حتى تقول « جاءني فلان فجاءني رجل » لا تريد به إلا الأول ، ولذلك تذكر اسمه في الجملة الثانية ، وتجرد الكلام عنه . وأقول : يشبه أن يكون معنى التجريد هو أنك تجرده عن جميع الأوصاف المنافية للرجولية . وكذا في الآية كأنه جرده عن منافيات الوارثية بأسرها . واختلف المفسرون في أنه طلب ولدا يرثه أو طلب من يقوم مقامه ولدا كان أو غيره ؟ والأول أظهر لقوله في آل عمران
رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً
[ آل عمران : 38 ] ولقوله في سورة الأنبياء
رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً
[ الأنبياء : 89 ] حجة المخالف أنه لما بشر بالولد استعظم وقال
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ
ولو كان دعاؤه لأجل الولد ما استعظم ذلك . والجواب ما مر في آل عمران . واختلفوا أيضا في الوراثة فعن ابن عباس والحسن والضحاك : هي وراثة المال . وعنهم أيضا أن المراد يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوّة أو بالعكس . وفي رواية أبي صالح أن المراد في الموضعين النبوّة . فلفظ الإرث مستعمل في المال
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ
[ الأحزاب : 17 ] وفي العلم
وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ
[ غافر : 53 ] « العلماء ورثة الأنبياء » وحجة الأولين ما روي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « رحم اللّه زكريا وما عليه من يرثه » فإن ظاهره يدل على أنه أراد بالوراثة المال . وكذا قوله صلى اللّه عليه وسلم « أنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة » « 1 » ، وأيضا العلم والنبوة كيف
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب الخمس باب : 1 . مسلم في كتاب الجهاد حديث 49 - 52 . أبو داود في كتاب الإمارة باب : 19 . الترمذي في كتاب السير باب : 44 . النسائي في كتاب الفيء باب : 9 ، 16 . الموطأ في كتاب الكلام حديث 27 . أحمد في مسنده ( 1 / 4 ، 6 ، 9 ، 10 ) .
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 470 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات