النداء وياء المتكلم يناسب الاختصار في آخره . وإنما أطنب في هذا المقام لأن هذه الآية كالعلم فيما بين علماء المعاني .
ثم إنه توسل إلى اللّه عزّ وجل بما سلف له معه من الاستجابة قائلا
وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
كما حكى أن محتاجا قال لكريم : أنا الذي أحسنت إليّ وقت كذا فقال : مرحبا بمن توسل إلينا وقضى حاجته . تقول العرب : سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها ، وشقي بها إذا خاب ولم ينلها . ومعنى
بِدُعائِكَ
أي بدعائي إياك . واعلم أن زكريا عليه السلام قدم على السؤال أمورا ثلاثة : الأول كونه ضعيفا ، والثاني أنه تعالى لم يرد دعاءه والثالث كون المطلوب بالدعاء سببا للمنفعة في الدين وذلك قوله
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ
قال ابن عباس والحسن : أي الورثة . وعن مجاهد العصبة . وعن أبي صالح :
الكلالة . وعن الأصم : بني العم وهم الذين يلونه في النسب . وعن أبي مسلم : المولى يراد به الناصر وابن العم والمالك والصاحب وهو هاهنا من تقدم في ميراثه كالولد .
والمختار أن المراد من الموالي الذين يخلفون بعده إما في السياسة أو في المال الذي كان له أو في القيام بأمر الدين ، وكان من عاداتهم أن كل من كان إلى صاحب الشرع أقرب كان متعينا للحبورة . وقوله :
مِنْ وَرائِي
أي بعد موتي لا يتعلق ب
خِفْتُ
لأن الخوف بعد الموت محال ولكن بمحذوف أي الموالي الذين يخلفون من بعدي ، أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت ولايتهم وسوى خلافتهم بعدي ، فإن زكريا انضم له مع النبوّة الملك فخاف بعده على أحدهما أو عليهما . وسبب الخوف القرائن والأمارات التي ظهرت له من صفائح أحوالهم وأخلاقهم . وإنما قال :
خِفْتُ
بلفظ الماضي لأنه قصد به الإخبار عن تقادم الخوف ، ثم استغنى بدلالة الحال كمسألة الوارث وإظهار الحاجة عن الإخبار بوجود الخوف في الحال . وقرئ
خِفْتُ الْمَوالِيَ
بتشديد الفاء . وعلى هذا فمعنى ورائي خلفي وبعدي أي قلوا وعجزوا عن أمر الدين والإقامة بوظائفه ، والظرف متعلق بالموالي ، أو معناه قدامي والظرف متعلق ب
خِفْتُ
أي درجوا ولم يبق من يعتضد به . ثم صرح بالمسألة قائلا :
فَهَبْ لِي
وأكده بقوله :
مِنْ لَدُنْكَ
أي وليا صادرا من عندك مضافا إلى اختراعك بلا سبب لأني وامرأتي لا تصلح للولادة . من قرأ
يَرِثُنِي وَيَرِثُ
بالجزم فيهما فهو جواب الدعاء ، ومن قرأ برفعهما فالأكثرون ومنهم جار اللّه قالوا : إنه صفة .
وقال صاحب المفتاح : الأولى حمله على الاستئناف كأنه قيل : لم تطلب الولد ؟ فقال مجيبا : يرثني أي لأنه يرثني لئلا يلزم منه أنه لم يوهب من وصف لهلاك يحيى قبل زكريا .
واعترض بأن حمله على الاستئناف يوجب الإخبار عما لم يقع ، وكذب النبي صلى اللّه عليه وسلم